التمايز بين بري و"حزب الله" يتّضح أكثر... فماذا بعد؟
لم يكن بمقدور رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يكتم "ابتهاجه" بنتائج زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون لواشنطن، وبحديثه في البيت الأبيض عن أن بري "من مؤيدي توجهاتنا في شأن إيجاد حلول للوضع في الجنوب"، والذي اكتمل بمسارعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تلقف الأمر ووصفه بري بأنه "رجل طيب كما أُبلغنا".
وعليه، سارع بري إلى الرد على تحية عون - ترامب بأحسن منها عندما صرّح بعد نحو 24 ساعة على لقاء البيت الأبيض، لصحيفة سعودية بلغة الطرافة، وبطريقة معبّرة: "ترامب يفهمني أكثر من بعض اللبنانيين".

وفي سياق استكمال هذه التطورات المهمة، أتى الإعلان عن اتصال بادر رئيس المجلس إلى إجرائه مع الرئيس عون فور عودته إلى بيروت، مقروناً بإعلان لقاء قريب مباشر بينهما.
وعليه، كان لا بدّ أن يسارع الراصدون إلى أن اتصال بري بعون هو بمثابة إعلان من عين التينة أن سيدها غادر لتوه مرحلة سلبية في العلاقة بينه وبين الرئاسة الأولى، وأسقط جدار قطيعة بينهما كان بادر إلى رفعه في وجه عون احتجاجاً على خياراته السياسية والديبلوماسية.
مساحة التمايز
هكذا، وفيما بدا بري يعلن بداية نهاية المواجهة السياسية مع عون، فإن السؤال الذي فرض نفسه هو: ماذا عن مساحة التمايز التي يفترض أنها بدأت بين بري و"حزب الله"؟ وهل يمكن أن تكرّس في لحظة سياسية افتراقا بينهما؟
في جو الشيعية السياسية من يقرّ بأن التمايز ليس وليد المرحلة الأخيرة وما تخللها من وقائع ومستجدات، بل هي تعود إلى ما قبل ذلك، وكانت أجلى صورها البيان المقتضب الذي صدر عن بري بعد نحو 24 ساعة على سريان نبأ توقيع اتفاق الإطار الذي وصفه بري حينها بأنه "فتنة"، وأنه يتعيّن اتباع قول مأثور للإمام علي في مثل هذه الحالة هو ألا يكون المعني "ظهرا فيركب ولا ضرعا فيحلب"، بما يعني ضمناً الحياد والاستنكاف عن أيّ مواجهة أو صدام.
في حينه، بدا هذا الموقف رخواً وضبابياً قياساً بموقف الحزب الحاسم في رفض الاتفاق، والداعي بوضوح وشفافية إلى مواجهته وإسقاطه بوصفه تفريطا بالسيادة.
وثمة من يقارن اليوم بين موقف بري المرن جداً حيال زيارة عون لواشنطن، وموقف الحزب الرافض لها والمندد بها، والذي تجلى أكثر ما يكون في البيان الصادر أخيراً عن كتلة "الوفاء للمقاومة" وجدد فيه الحزب إصراره على المضي في المواجهة السياسية مع الرئاسة الأولى وخياراتها، معتبراً أن الحديث عن إنجاز ميداني حققته هذه الزيارة سابق لأوانه، ومستنتجاً أن السلطة عموماً تحاول تقديم صورة إعلامية تخالف الوقائع الفعلية القائمة على أرض الجنوب.
وإذا كان المراقبون قد اعتبروا البيان بمثابة نفي مطلق لاحتمالات إعادة وصل ما انقطع بين الحزب والرئاسة الأولى، فإن البعض رأى في كلام عون في عشاء السفارة في واشنطن عن شروط وظروف يتعين أن تتوافر ومنها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة لإتمام نزع سلاح الحزب، كلاماً نوعياً جديداً يطمئن الحزب من جهة ويشجع الوسطاء من جهة أخرى على استئناف دورهم.
الحزب يستأنف الهجمة
بالإجمال، وفيما أفصح بري عن مرونة وانفتاح تجاه خيارات الرئاسة الأولى في المرحلة التالية، بدا الحزب مستأنفاً الهجمة التي أطلقها نوابه ورموزه غداة سفر عون إلى واشنطن.
واقع التمايز هذا لم يعد في الإمكان تجاهله، وهو يفرض السؤال عن مستقبل العلاقة في ضوئه بين بري والحزب، واستطرادا عن كيفية إدارة العلاقة في قابل الأيام بينهما، خصوصا أن انفتاح بري على عون واستعداه لعودة التلاقي بينهما هو:
- بمثابة عود لا رجعة عنه وسيكون ما بعده غير ما قبله.
- بري لن يكون في صف الحزب إذا ما ظل التصادم قائما بينهما.
وعلى رغم ذلك، فإن في أوساط الحزب من يقرّ مبدئيا بوجود تمايزات بين بري والحزب حيال ملفات بعينها، ومنها رفض بري التصادم مع عون، ولكن رفضه لمضمون اتفاق الإطار جدي، "لكونه لا يضمن انسحاب إسرائيل من الجنوب، لذا اطلق بري لاحقا تحياته المتكررة للسلطة بأن "حطوا على عيني". والحزب على ثقة بأن رئيس المجلس "عند هذا الاقتناع، وعند رأيه في أن الانسحاب يتعين أن يسبق أي حديث عن حصر السلاح أو نزعه، وهذا هو الأهم عندنا والذي يتقاطع مع رؤيتنا".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
"القرار السياسيّ اتّخذ بوضوح في مجلس الوزراء لحصر السلاح، والنّص الدستوريّ يُخضع القوّات المسلحة اللبنانية لسلطة مجلس الوزراء، وبذلك أصبح أيّ تنفيذٍ لتفتيش منازل أو أيّ إجراء آخر ضمن سقف القانون"...
نبض