أين أخطأت النسويات بهجومهنّ على عبير الصغير؟
الصغير ترى أنها "السائقة الماهرة" التي تستطيع قيادة سيارة الحقوق والحريات عكس اتجاه السير الذكوري للمجتمعات العربية، وتستطيع أن تبلغ بها بر الأمان، أما بقية النساء في الشارع، فحمقاوات وبطيئات ولن يُجدن التراقص بين المسارات.
كلنا نرتكب المخالفات المرورية؛ فقد أتجاوز هامش السرعة، ثم أتلفت من حولي كاللصة للتحقق من موقع الرادار. وقد أغيّر مساري على الطريق السريع دون إعطاء الإشارة، آملة ألا يصور لوحتي "فاعل خير". وقد أركن سيارتي حيث لا ينبغي لي، وأظل أدعو الله أن يجعل من بين يدي مفتش هيئة الطرق سداً ومن خلفه سداً.
وكلنا أيضاً نخوض ذات المونولوج الداخلي حينما نرتكب المخالفات المرورية.
فأنا سائقة فذة وعبقرية، والأقرب لخلافة "مايكل شوماخر"، هكذا أؤكد لنفسي. فحين أخرق القانون، وأستهتر بالقواعد، وأخاطر بروحي وبأرواح الآخرين، فذلك لأني أجيد التصرف. سوف أصل إلى وجهتي، حتى ولو قدت عكس اتجاه السير، وسأنجح في تفادي المشاة المذهولين، وسأناور برشاقة بين السيارات. إذاً يحق لي أنا ارتكاب المخالفات المرورية لأني على قدر من البراعة وحسن التدبير لممارسة مثل هذا التهور، بينما كل سائق سواي يقوم بنفس تصرفي أعتبره "حماراً معبأ ببنطلون"، فلن يقدر على إنقاذ نفسه وسيارته، وسيدفع ثمن غبائه.
هكذا بدت لي تصريحات الطبّاخة اللامعة عبير الصغير حينما انتقدت "إساءة" بعض النساء التعامل مع الحقوق والحريات الممنوحة إليهن، بينما تظهر هي بكل حرية في وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي كان يتم سابقاً دون "علم والدها"، وتسافر، وتحظى بالاستقلالية المادية، وتزوجت ممن تحب رغم المعارضة المبدئية لذويها.
كل ما فهمته بصراحة هو أنّ الصغير ترى أنها "السائقة الماهرة" التي تستطيع قيادة سيارة الحقوق والحريات عكس اتجاه السير الذكوري للمجتمعات العربية، وتستطيع أن تبلغ بها بر الأمان، أما بقية النساء في الشارع، فحمقاوات وبطيئات ولن يجدن التراقص بين المسارات. تستطيع الصغير أن تخفي الحقائق عن "ولي أمرها"، أو تعانده وتعارضه، أو تستقل عنه في اتخاذ قراراتها، لأنها تمتلك المقومات الخارقة لكي يخرج تصرفها النهائي أخلاقياً ونزيهاً وصائباً، بينما من تسلك مسلكها من النساء سوف تصطدم لا محالة بجدار الانحلال والضياع. طبيعي، فقدرات السائقتين مختلفة.
الغضب النسوي... ناقص
وبينما أؤيد النسويات العربيات في غضبتهن الشديدة من الصغير، فإني بت أعتقد أنها ومن هن بمثل قناعاتها أجدر بالتعاطف والتفهم.
الحقيقة أنه حتى حينما أتحلى بتلك الثقة الكاذبة بأني أفضل من جميع السائقين، وأستحل لنفسي كسر القواعد المرورية، يظل ملازماً لي ذلك اليقين التام بأني ارتكبت مخالفة جسيمة وخطيرة تستحق العقوبة، ولو تمت مواجهتي بها لبكيت خجلاً والله.
فربما تؤمن الصغير وشبيهاتها بأنهن الأقدر على "حسن استخدام" الحرية، وبأنهن "الشاطرات" ذوات الموهبة الاستثنائية في تفادي الكارثة، ولكني أرجح بأنهن لا زلن يعتبرن كل حق يتمتعن به خطيئة معيبة في أصلها، وكل حرية هي مما "لا يليق"، وبأنهن لا زلن يخشين "الغرامات" المعنوية من المجتمع، ويتخيلن -مثل المجرم- دوريات شرطة "العيب والعار" حيثما يمّمن وجوهن.
أتتخيلون مدى عمق الانفصام المؤلم بين قناعاتهن وأساليب حياتهن؟
نبض