هندسة القوة وترتيب الأمكنة والمكونات
ندفع أثمان الحرب مداورة في فاتورة استهلاكنا، وفي ضرائب حكومتنا، وما بدأنا تسديد أكلافها التدميرية المباشرة بعد.
ولكن قد يكون للحرب تداعيات على وجودنا جراء هندسة القوة. يجب ألا تنتج خيارات قادتنا تداعيات تتسبب بترتيبات غير متكافئة للمساحات والأصوات داخل الأماكن، وعلاقات إدماج واستبعاد وهياكل هرمية. أخشى أن نهمل الاستعداد ليوم ما بعد الغد. لا أطمئن إلى ما تنتجه الصراعات من هندسات قوة تستبعد مكوّنات بالسلاح وتدفّقات الأموال والسطو وفرض ثقافة المنتصر. فالسلطة تتجسّد في الترتيبات والممارسات، تجعل الأماكن ساحات صراع على التمثيل، وتتفاوت إمكانات الوصول والقدرة على التحكم. الصراعات تقلب الصيغ العلائقية، فتُعيد تشكيل البُنى التاريخية للأمكنة، وهذا ما يفسر التصريحات الأخيرة للزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
الثورة السورية قلّصت مكوّنات، فالهجرة وبيع العقارات في باب شرقي وباب توما وأمكنة سورية أخرى يستحقان المتابعة. كذلك بدّلت الحرب اللبنانية هوية مدن كمشغرة مثلا، التي ما عادت تشبه أغنيات زكي ناصيف وفيروز.
تزول الجماعات بإعادة ترتيب الأرض، ما لم يُستثمر في الذاكرة.
Basso (1996) ربط الهوية الجماعية بالمكان الذي عدّه نصا أخلاقيا ووعاء للذاكرة. أسماء الأماكن والقصص وممارسات الحوار تشفّر التاريخ والدروس والقيم التي توجه السلوك وتحدّد موقع الأفراد في السرد الجماعي. قرانا وحاراتنا مستودعات للذاكرة تسمح للشيوخ بتعليم الأجيال الانتماء والمسؤولية والسلوك، فتُرسخ حدودنا واستمراريتنا. معاني الأمكنة تتجدد بالتفاعل، فنحافظ على الهوية وممارسة السلطة والشرعية والمعرفة الجماعية. التشكيلات المكانية تنتج الثقافة، والأمكنة ساحات تفاوض يومي تشكل النظام الاجتماعي.
توازياً، نعيد تشكيل الأمكنة بتفاعلنا. فوفق Massey (1994; 2005) الأمكنة غير ثابتة لأنها تتأثر بتطور الهوية. رآها Tuan (1974) حاجة للأمن والتأصل والتوجيه. التعلّق العاطفي والذاكرة والتقدير الجمالي تعطي الأمكنة معانيها وبعدا زمنياً لتبيان الهوية. الاستمرارية والتغير يطورانها. التذكر والتسمية والسكن يعطيانها معانيَ.
دخلنا مرحلة الخيارات المصيرية التي سيحدد التاريخ مدى جودتها. آمل أن يكون لنا استراتيجية وتفضيلات، فأثمان أيّ فراغ أو عدم، تُحسب نهاية وجود. المطلوب رؤية تطمئن، واستراتيجية تضمن الوجود، مما يتطلب صون سلطة كل مجموعة على أرضها بما يضمن سيادة مكانية تحفظ الذاكرة وتدعم الاستمرارية. سيادة توفر شروطا مادية وسياسية لإنتاج البقاء وترسيخه.
نرجو حكمة ورؤية وتفاعلا لرسم غد أفضل، مما يتطلب تضافرا وإنصاتا وشجاعة لعبور البحر الهائج وبلوغ شاطئ الأمان.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض