قتلة الجيش اللبناني لا يُمثّلهم فضل شاكر فقط...
قرأت بالأمس للنائب في "التيار الوطني الحر" غسان عطاالله، عبر حسابه على منصة "إكس"، تعليقاً على قرار تخلية الفنان فضل شاكر، معتبراً أن ذلك قد لا يعني قانونا البراءة، لكنه يحمل، سياسياً وأخلاقياً، رسالة "كارثية".
وسأل عطاالله: "شو بدكن تقولوا لأهالي شهداء الجيش اللبناني؟ شو بدكن تقولوا للأم اللي دفنت ابنها ببدلته العسكرية؟ إنو دمّه صار تفصيل؟ وإنو اللادولة بتمحي كل شي؟".
وتابع متسائلًا عن كيفية الحديث يوميا عن ضرورة تقوية الجيش ودعمه وتعزيز دوره، في وقت يُخلّى فيه من ارتبط اسمه، بحسب قوله، بأحداث استشهد فيها عسكريون، سائلًا: "كيف بدكن تطلبوا من شباب لبنان يفوتوا عالسلك العسكري؟".
في ظاهر الأمور، وفي المبدأ الحقوقي والإنساني، كلامه حق. وأنا من أشد المعارضين لإطلاق فضل شاكر إذا كان مداناً، ولو كان فناناً معروفاً، إذ ليس للفنانين ولا لغيرهم معاملة خاصة. حتى النواب يجب أن يحاكموا على أفعالهم، وأيضا وخصوصا رجال الدين، المعفيين من كل محاسبة، لأن الأحكام القضائية عندنا تبدو محصورة بالفئات الشعبية الأكثر هشاشة، ومن لا يملك واسطة، فيما يعفى منها السياسيون ورجال الدين والنافذون، وخصوصاً رجال المافيا والعصابات الذين يمولون القضاء والأمن والإعلام معاً، في أحيان كثيرة.

لنعد إلى كلام النائب عطاالله، وهو كلام حقّ يراد به باطل. كأن العفو، إذا ما حصل كلياً، يقتصر على فضل شاكر. مجلس النواب يدرس قانون العفو. ورغم التعثر الحاصل فيه، فإن مناصريه أكثر عدداً من معارضيه. وعرقلته سياسية أكثر منها قانونية وحقوقية.
إنني ولو كنت من المنادين باستمرار بعدم جلد الذات وعدم نبش الماضي والبقاء فيه أسرى أحقاده، إلا أن كلاماً كالذي ذكره فيه استخفاف بعقول اللبنانيين. وقد أعادني إلى كتاب صدر أخيراً للعميد سليم كلاس، قائد اللواء الثامن زمن الثمانينيات من القرن الماضي، الذي حارب بإمرة العماد ميشال عون قائداً للجيش، إذ كان متحمساً وموالياً له إلى حد بعيد. يتحدث كلاس في الكتاب عن خيبة أمله من الجنرال عون، الذي بعدما وعد بأنه آخر من يترك ساحة القتال، ولو كلّفه ذلك حياته، هرب من قصر بعبدا إلى السفارة الفرنسية تاركاً العسكريين فريسة المحتل السوري. ويروي كيف وقّع عون قبل ليلة واحدة صكّ استسلام واعتراف برئاسة الياس الهراوي للجمهورية، وقيادة إميل لحود للجيش، أملاً في النجاة بنفسه، تاركاً الجنود والضباط الذين اؤتمن عليهم، يُقتلون ويذبحون من دون أن يعلمهم باستسلامه ليتدبروا أمورهم. ثم ذهب لاحقاً ليتصالح مع النظام السوري الذي قتل الضباط والجنود، ويشيد به، من دون أن يسأله عن مصير المفقودين أقله. أليس العماد عون (الرئيس لاحقاً) قاتل الضباط والجنود؟ أليست خطيئته أكبر بكثير من خطيئة فضل شاكر؟
هنا يُسأل النائب عطاالله وغيره، بأيّ كيل يكيلون لغيرهم؟ ولماذا لا ينظرون في واقعهم وتاريخهم قبل أن يدينوا الآخرين؟ كلام عطاالله المبدئي حق، ولكن كان عليه إذا كان صاحب مبدأ أن ينطلق من الأقربين، أو يلتزم الصمت. حرام الشعب اللبناني الذي يتلهى بتصريحات ومواقف ومؤتمرات صحافية، تحاول أن تستغبيه لتركب الموجة.
ملاحظة: لا أعرف فضل شاكر، ولا أتعاطف معه، ولا أعلم ماذا يغني، ولا يعنيني إطلاقاً.
نبض