هل اقترحت عُمان فرض "رسوم خدمات" لمواجهة التلوّث في المضيق؟
لمواجهة الاستراتيجية الإيرانية للسيطرة على مضيق هرمز لن تكفي التصريحات المشتركة وحدها، يقول باحث أميركي جدّي ومهم، إذ ستحتاج أميركا وشركاؤها إلى سياسات وتدابير جديدة تضمن عدم انفراد إيران بفرض قواعد الملاحة في المضيق.
منذ توقيع الولايات المتحدة مذكرة التفاهم لوقف الحرب مع إيران في 17 حزيران الماضي سُجّلت زيادة في حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز. بعد أيام من الإعلان عن المذكرة كشفت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة IMO عن خطة واسعة النطاق لإجلاء مئات السفن وآلاف البحارة العالقين في الخليج العربي. مع ذلك لا تعني هذه التطورات الإيجابية أن عودة الملاحة إلى وتيرتها الطبيعية أصبحت وشيكة، أو حتى أنها بدأت تتحقّق تدريجاً. فأعداد السفن العابرة لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. والوضع الملاحي في المضيق ومحيطه لا يزال هشاً للغاية في ظل التهديدات الإيرانية المتواصلة ومخاطر الألغام البحرية على طول الممر الملاحي التقليدي. ومنذ انحسار الأعمال العدائية قبل توقيع مذكرة التفاهم بدأ بعض السفن باستخدام مسارين بديلين، أحدهما بمحاذاة الساحل العُماني والآخر عبر المياه الإيرانية. غير أن القوات الإيرانية هاجمت قبل مدة إحدى السفن وأصدرت تحذيرات من استخدام المسارات التي لا تُقرّها طهران.
يدلّ ذلك على أن المسار البديل المحاذي للساحل العماني بات عُرضة للخطر أيضاً. دفع ذلك، بعد تعرّض سفينة "أوفر لوفلي" لهجوم بطائرة مسيّرة في أثناء إبحارها على طول الساحل العُماني، المنظمة البحرية الدولية إلى وقف خطة الإجلاء. وفي اليوم نفسه أصدرت الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي بياناً مشتركاً أكدا فيه أهمية ضمان جدية الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي. إلا أن تصرّفات طهران أشارت إلى أن الترتيبات التقليدية في مضيق هرمز قد انهارت وأن نظاماً جديداً آخذ في التشكّل ويهدف إلى ترسيخ سيطرة إيران على المضيق. قد لا يكون ذلك موقتاً، إذ إن عودة النظام الملاحي السابق ستحرم إيران من أقوى مصدر نفوذ باقٍ لديها. وهو المصدر الذي مكّنها من ممارسة الضغوط على دول المنطقة وأسواق الطاقة العالمية. السؤال الذي يطرحه هذا الوضع هو كيف ستسهّل إيران العودة إلى وضع لم يعد يخدم مصالحها. وكيف ستسعى إلى تكريس النظام البحري الجديد بما يضمن لها دوراً محورياً فيه، وما العراقيل التي ستضعها أمام ترتيبات بديلة تحدّ من نفوذها. تُعدّ مسارات نظام فصل حركة الملاحة التي تمتد وسط المضيق ويُعمل بها منذ عقود غير آمنة حالياً. ويرجّح أن تبقى كذلك في المستقبل المنظور بحسب التقارير بسبب احتمال وجود ألغام. وأحدث الأرقام لدى "الرابطة الدولية لمالكي ناقلات النفط المستقلين" تُشير إلى وجود 80 لغماً في المضيق. وهذا عدد هائل ستستغرق إزالته بعض الوقت، علماً بأنها جارية.
ماذا عن تتبّع حركة الملاحة بعد توقيع مذكرة التفاهم؟ تشير بيانات تتبّع السفن المتوافرة حتى الآن إلى أن السفن تستخدم المسارين الشمالي والجنوبي، مع ذلك لا يستوعب أيٌّ من المسارين الجديدين حجم حركة العبور التي شهدتها مسارات نظام حقل حركة الملاحة في الحرب، والتي يبلغ متوسطها 138 سفينة يومياً. ولا يمكن توقّع عودة الناقلات إلى المسارات التقليدية ما لم تتوافر ضمانات كافية بإزالة جميع الألغام البحرية. ولا يزال غير واضح ما إن كانت إيران مستعدة للتعاون مع البعثات الدولية لإزالة الألغام، أميركية كانت أو أوروبية. قد يشهد عدد الرحلات تراجعاً قريباً نظراً إلى تصعيد إيران جهودها في ترهيب السفن عبر قنوات الراديو البحرية. ففي 24 حزيران الماضي أصدر "الحرس الثوري الإيراني" تعليمات إلى ناقلة منتجات نفطية كانت تُبحر من قطر إلى باكستان بتغيير مسارها نحو شمال جزيرة لاراك والتوقّف هناك حتى إصدار تعليمات جديدة. وقد تلقّت السفينة تحذيراً من "الحرس الثوري" هو الآتي: "أنتم في مرمى صواريخنا وقد نُطلق النار عليكم"، علماً بأن السفينة تُبحر على المسار الإيراني.
ما التداعيات السياسية للوضع المشروح أعلاه كله؟ لمواجهة الاستراتيجية الإيرانية للسيطرة على مضيق هرمز لن تكفي التصريحات المشتركة وحدها، يقول باحث أميركي جدّي ومهم، إذ ستحتاج أميركا وشركاؤها إلى سياسات وتدابير جديدة تضمن عدم انفراد إيران بفرض قواعد الملاحة في المضيق. أولاً يحتاج البحّارة إلى إرشادات واضحة بشأن السلامة والأمن في مضيق هرمز. فالمخاوف من انتقام إيران مبرّرة. على واشنطن وشركائها وضع حزمة مناسبة من الجهود غير العسكرية لمواجهة هذه التحديات لأن المواجهة العسكرية تفاقم الأزمة. يتعيّن الحفاظ على تواصل واضح مع السفن التي تستخدم المسار العُماني لإبلاغها بما يمكن أن تتوقّعه وبالمخاطر المحتملة وبكيفية التصرّف في حال تلقي تحذير أو التعرّض لهجوم إيراني.
إلى ذلك يجب أن يكون الإعلان عن مواقع الألغام في المضيق وتقديم جدول زمني لإزالتها أولوية قصوى. في هذه الأثناء ستستمر السفن في استخدام الممرين البديلين "الشمالي" و"الجنوبي" إلى أن يزول كلياً خطر الألغام. في هذا المجال بدأ أحد التطورات بالظهور، إذ تقترح عُمان فرض "رسوم خدمات" مستقبلية تتعلق بالتلوّث في المضيق والمساعدة المقدمة للسفن العابرة. واقترحت إيران إجراءً مماثلاً فأثار ذلك مخاوف من إرساء سابقة فرض رسوم على المرور في ممرات مائية أخرى حول العالم. هذا أمرٌ رفضته الولايات المتحدة. ولتجنّب الاضطراب على المدى الطويل ولا سيما بعد انتهاء "تفاوض الستين يوماً" ينبغي اقتصار فرض الرسوم على أساس موقت، وهي تُفرض فقط استجابةً لطلبات لمساعدة مقدّمة من سفن بعينها أو عند وقوع حوادث تسبّب تلوّثاً. وبعد عودة الملاحة إلى مساراتها التقليدية ينبغي إنهاء العمل بهذه الرسوم.
نبض