.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يصف بادورا هافانا بأنها طبقات متراكمة، أشبه بالبصلة. ميناء عسكري استعماري من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر ثم مدينة استعمارية ثريّة حديثاً في القرن التاسع عشر وصولاً إلى هافانا الجمهورية الطموحة معمارياً خلال النصف الأول من القرن الماضي، وأخيراً هافانا الثورية منذ عام 1959...
ماذا يغري في هافانا ليعيش فيها أعظم كاتب كوبي معاصر، رغم ما لديه من فرصٍ ليكون في مدن عالمية؟ لكن ليوناردو بادورا لا يترك هذا السرّ مكتوماً بل يذيعه في كتابه "الذهاب إلى هافانا"، وهو كتاب مناسب لصيف يبدو أنه سيكون أقلّ صخباً من شتاء هذا العام الصاخب.
يبدأ بادورا من مفارقة. فهو يُسمّي كتابه "أغنية حب"، ومع ذلك فإنّ عنوان فصله الأخير بسيط: "هافانا تبكي". بين هذين القطبين، الأغنية والدموع، تتكشف حكايته عن المدينة.
إنّ أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب ليس ما يقوله عن أزمة كوبا، مع أنه يقول الكثير وبوضوح، بل ما يقوله عن الانضباط الفريد للبقاء. لم يغادر بادورا هافانا قط. لا يزال يعيش في مانتيلا، الحيّ المتواضع على أطراف المدينة حيث وُلد عام 1955، في المنزل نفسه، والشوارع نفسها التي لعب فيها البيسبول في صغره، حيث لا يزال محققه الخيالي ماريو كوندي يُدفئ قلبه وروحه بين أصدقائه القدامى.
تُرجمت كتبه إلى أكثر من خمس عشرة لغة، ووصلت سيناريوهاته إلى دور السينما الأوروبية، وله قرّاء وأصدقاء في كل قارة. لا شيء خارجياً يُلزمه بالبقاء. ومع ذلك، يبقى، ويُصرّ على أن هذا البقاء ليس صبراً أو عاطفية مفرطة، بل هو أقرب إلى حالة وجود، يُسمّيها الانتماء.
يرسم بادورا تمييزاً دقيقاً بين الانتماء والثبات. الكلمتان متقاربتان جداً في الإسبانية، تكادان تتبادلان صوتياً، لكن معناهما يختلف تماماً. الانتماء شعورٌ يسكن الجسد ويسري في الدم، لا يمكن اختزاله. أما الثبات فهو مادّي وهشّ، وبالتالي يتعلق بالمباني وشوارع المدينة، وكلها أمور يمكن أن يمحوها عمل واحد من أعمال إعادة التطوير أو عقد واحد من الإهمال.
يصف بادورا هافانا بأنها طبقات متراكمة، أشبه بالبصلة. ميناء عسكري استعماري من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر ثم مدينة استعمارية ثريّة حديثاً في القرن التاسع عشر وصولاً إلى هافانا الجمهورية الطموحة معمارياً خلال النصف الأول من القرن الماضي، وأخيراً هافانا الثورية منذ عام 1959، التي يقول إنها غيّرت فضاء المدينة بشكل هائل دون بناء أيّ شيء يُذكر، تاركةً وراءها في الغالب خراباً بسبب نقص الموارد.
لكن تحت هذه الطبقات التاريخية تكمن طبقاته خاصة. هافانا التي يستحضرها في ذكريات طفولته، مشرقة ومليئة بالوعود. وهافانا التي عاشها خلال سنوات عمله صحافياً في ثمانينيات القرن الماضي، والتي علّمته تاريخ المدينة غير الرسمي. وهافانا الأدبية التي انبثقت منها رواياته الأولى في تسعينيات القرن الماضي. كل هذه المدن تسكنه في آن واحد. أما ما يعيش فيه الآن، فيعترف دون تردد، بأنه هافانا التي لم يبقَ فيها أثر يُذكر للمدينة السابقة.
قد يكون من السهل على كتاب مبنيّ على هذه الفرضية أن يتحول إلى مجرد رثاء، لكاتب مسنّ يرثي جنّة لم تكن موجودة إلا في ذاكرة الماضي. يدرك بادورا هذا الخطر ويسمّيه صراحةً، فهو قلق من إغراء التعامل مع الماضي كعصر ذهبي ضائع، والسماح للحنين بأن يتحوّل إلى نوع من العمى. وهو يعزو هذا التدهور إلى تمزقات تاريخية محددة، بدايةً من "الهجوم الثوري" عام 1968، الذي وجّه ضربة قاضية للحياة الليلية والمساحات الثقافية في هافانا باسم بناء مواطن اشتراكي جديد، ثم انهيار الدعم السوفياتي في التسعينيات وتشديد الحصار الأميركي على مدى الإدارات المتعاقبة.
ما يضفي على الكتاب دفئه المميز وسط كل هذا هو إضفاء بادورا عليه طابعاً إنسانياً بدلاً من مفاهيم مجردة. ومع ذلك فهو ينتهي دون حسم. يعترف بادورا بأنه عاجز عن تحديد أفق، فنظره يظلّ متجهاً إلى الماضي، نحو ما كان، دون أن يجد شيئاً في الحاضر أو المستقبل يتمسّك به، وكأن المدينة نفسها هي التي علمته هذا العجز.