نقاش ونداء حول إقفال المدرسة الإنجيلية في النبطية: هل تنكفئ المدارس المسيحية عن أبناء المسلمين؟

كتاب النهار 03-07-2026 | 12:27

نقاش ونداء حول إقفال المدرسة الإنجيلية في النبطية: هل تنكفئ المدارس المسيحية عن أبناء المسلمين؟

إقفال مؤسسة في هذا الوقت العصيب، لا يكتفي بتشريد آلاف التلامذة وإرباك ذويهم، وتقديم خدمة مجانية للأحزاب الطائفية والأصولية، بل أيضاً يقطع أرزاق عشرات العاملين من معلمين وإداريين...
نقاش ونداء حول إقفال المدرسة الإنجيلية في النبطية: هل تنكفئ المدارس المسيحية عن أبناء المسلمين؟
المدرسة الإنجيلية في النبطية (النهار).
Smaller Bigger

فوجئنا جميعاً بقرار الكنيسة الإنجيلية في لبنان إقفال المدرسة الوطنية الإنجيلية في النبطية. سقط القرار فجأة على إدارة المدرسة كما على الأساتذة والإداريين، وخصوصا على ذوي التلامذة. لا مبرر واضحاً له سوى الأوضاع المأزومة والخراب الذي لحق بمبنى المدرسة، وهو خراب أقل بكثير مما أصاب مباني ومؤسسات أخرى.

 

قد يكون الضرر المادي كبيراً، وهذا يقرره المهندسون والإداريون الذين سيشرفون على الترميم لاحقاً، إذ لم يُتّخذ أي قرار ببدء أعمال الترميم وإعادة الإعمار على كل المستويات وفي كل المؤسسات، وهذا ما ينذر بصعوبة بدء العام الدراسي المقبل 2026 -2027 طبيعيا، لأن المدارس يُفترض أن تبدأ منذ الأمس، قبل اليوم، إطلاق ورش الترميم لتكتمل في شهرين، فتفتح المؤسسات أبوابها في أيلول المقبل. وبما أن ذلك لم، ولن يحدث في الواقع المظلم، فإن تعثر المدارس سيكون حتمياً، وقد تلجأ إلى نظام يجمع ما بين الحضوري والتعليم من بعد، لتدبّر الأمور. وهذه القرارات خاضعة للنقاش والبحث وفق الظروف المحيطة والتي تحكم كل مؤسسة على حدة.

 

عودة إلى المدرسة الإنجيلية في النبطية. الضرر المادي كبير، لكن الأضرار الأخرى أكثر فداحة. وهنا لا بد من تقسيم الأضرار الفادحة تلك على مستويات عدة:
أولا: على مستوى السينودس الإنجيلي الوطني في لبنان وسوريا الذي يدير الكنائس والمدارس والمؤسسات الاجتماعية، الغموض سيد الموقف. والهروب آخر الابتكارات، إذ غاب المسؤولون كلهم عن السمع منذ إعلان القرار. ليس ما يبرر هذا الانسحاب، إلا إذا كان ما ليس بالعلم، ومن الضروري للمؤسسات التي تعلّم الناس وتدربهم على قول "الحق الذي يحرر"، مواجهة الناس بالحقيقة التي أملت القرار. من حق المعنيين معرفة الأسباب، سواء أقنعتهم أو لا. وتهرب المسؤولين من مواجهة الحقيقة يسيء إلى السينودس الإنجيلي وإلى مسيرته الغنية وواقعه التربوي المرموق، ودوره الرسالي، ورعايته المجتمعية.  

 

المدرسة الإنجيلية في النبطية (النهار).
المدرسة الإنجيلية في النبطية (النهار).

 

ثانيا: إقفال المدرسة العريقة في النبطية (التي حصلت أخيراً على اعتماد عالمي) في هذا الوقت العصيب، والضيق الاجتماعي، يطرح أسئلة- وهي مطروحة- عن الدور التجاري للمدارس. فهل وقوعها تحت خسارة يدفع بها إلى الإقفال؟ السؤال وجيه، والجواب المنطقي أن المؤسسات يجب أن تموّل نفسها للاستمرار. لكن مدرسة النبطية ليست مجانية وأقساطها مقبولة نسبياً، وهي قادرة على تغطية نفقاتها في الزمن العادي، وليس في زمن الحرب. وبالتالي فإن تحمّل الأعباء في الزمن العصيب يصبح واجباً مسيحياً وأخلاقياً ووطنياً. والكنائس الإنجيلية بما لها من امتدادات عالمية، أقدر من غيرها على جذب المساعدات وجمع التبرعات، لسدّ الحاجة الملحّة. 

 

ثالثاً: ثمة موضوع آخر يستدعي النقاش العميق والهادئ: هل باتت مؤسسات تربوية مسيحية تفكر في عدم جدوى التعب والتكلفة لتعليم أبناء المسلمين فقط، خصوصاً أن المسيحيين في عداد تلامذتها في كل مناطق الأطراف باتوا لا يتجاوزون في أحسن الأحوال العشرة في المئة؟ وتلك المدارس لا تلقى التقدير والاحترام على رسالتها التربوية، بل تقابَل بحملات تخوين كما حصل بالأمس من بعض الطفيليين. فقد كتب أحدهم مهللاً لإقفال المدرسة التي وفق رأيه "شاركت في نشر العلمنة بين المسلمين، وانحلال المجتمع عبر غزوه بالفكر الغربي المجرم".  

 

هذا النقاش بات جدّياً في بعض الأوساط الكنسية. ومفاده أن تعليم أبناء المسيحيين لا يحتاج إلى هذا الكمّ من المدارس المنتشرة في القرى والأرياف البعيدة، ويمكن أن توفر الخدمة مدرسة واحدة. وإن التضييق الذي تمارسه قوى الأمر الواقع، بخطة مدروسة لجذب التلاميذ إلى مدارسها وتدريبهم منذ الصغر، وتلقينهم العداء للآخر وعدم قبوله، لا تستدعي المواجهة، الخاسرة في أحيان كثيرة، في أجواء التطرف والانغلاق المتزايدين، ولا تستدعي بذل كل هذه الجهود. فالمدارس قامت لتعليم المسيحيين وغيرهم، لكنها تحولت إلى غيرهم فقط. 

 

هذا الفكر، إذا ما تسلل إلى المؤسسات التربوية المسيحية، فله انعكاساته السيئة عليها، وارتداداته على المجتمع كله. على المستوى الوطني، يؤثر انكفاء المسيحيين بمدارسهم ومؤسساتهم على النسيج الاجتماعي كله، وعلى التفاعل الوطني، ويدفع بهم إلى التقوقع في مناطق محددة مع تقلّص حضورهم المناطقي، ويدفع الآخرين إلى مزيد من الانغلاق والجهل بالآخر، ويلقيهم في أحضان المغالين في التعصب، فتنمو أجيال متباعدة إلى حد كبير، ومتطرفة إلى حد بعيد، تنتج المزيد من حروب الآخرين على أرضنا. 

 

والمسؤولية كبيرة على المسيحيين أولاً، إذ يجب التصدي لهذا الفكر إن بدأ يتمدد، فلا تخلّيَ عن صور وصيدا والنبطية ويارون والخيام، ولا عن مشغرة وبعلبك، ولا عن طرابلس والشمال. 

 

أما المسلمون، فخطيئتهم عظيمة، وهي جريمة في حق أبنائهم ومجتمعهم. ففي الوقت الذي تسمح دول عربية وإسلامية لإرساليات أجنبية ورهبان وراهبات بفتح مدارس وجامعات ومؤسسات رعائية عندها للإفادة من خبرتها، وتوسيع معارفها، وإفساح المجال أمام سعة الفكر وتفعيل التواصل والحوار، يتمدد واقع مؤسف إلى مجتمعاتنا، واقع تحريض، لا يريد الآخر إلا من باب الذمية. وهذا ما يدفع إلى الخسارة، ولو بقيت المؤسسات المسيحية في المناطق موجودة ومحصورة الدور. وعلى المسلمين، لا من باب التمظهر الاجتماعي مع المسيحيين، ولا انطلاقاً من شعارات التعايش، أن يحافظوا على تلك المؤسسات، وذلك الدور الذي ساهم في تنمية وتطوير مجتمعاتهم، وفي تعليم ابنائهم، وفي حفظ اللغة العربية، وعلّم اللغات الأجنبية، والعلوم على أنواعها، وخرّج آلاف الاطباء والمهندسين و...

 

رابعاً: إن إقفال مؤسسة في هذا الوقت العصيب، لا يكتفي بتشريد آلاف التلامذة وإرباك ذويهم، وتقديم خدمة مجانية للأحزاب الطائفية والأصولية، بل أيضاً يقطع أرزاق عشرات العاملين من معلمين وإداريين. ولا مجال لإيجاد وظائف بديلة لهؤلاء في زمن الحرب، ما يعني اختناقهم المعيشي، وربما دفعهم إلى النزوح مجدداً نحو أماكن يمكن أن توفر لهم عملاً يعتاشون منه. 

 

خامسا: إن الكنيسة المسيحية مدعوة إلى أن تقف إلى جانب الضعفاء والمنكوبين والنازحين والمتألمين، خصوصا في ساعة ضيقهم، والقرار لا يعبّر عن هذه الدعوة. أضف إلى ذلك، أن للقرار رمزية معينة في زمن العودة، كأنه يدعو إلى اللاعودة. 
سادساً وأخيراً: حبذا لو يعاد النظر في القرار. ومع الشكر، التحية للراهبات الصامدات في قرى المواجهة الأمامية، وفي القرى الصامدة، (وللراهبات الأنطونيات في النبطية تحديداً)، اللواتي يعانين فقر الحال والوضع الأمني غير المستقر والخراب الذي أصاب مدارسهنّ. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/2/2026 12:19:00 AM
أول تعليق من روزينا لاذقاني بعد تعيينها في مجلس الشعب: لن تكون الثقة حدثاً عابراً
لبنان 7/2/2026 7:21:00 PM
وزارة المالية توضح حقيقة زيادة رواتب موظفي القطاع العام في لبنان
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.