عنصريّون حتى في ما بيننا
على رغم كلامنا المتكرر عن الحضارة المقلّدة للغرب، الذي يسبقنا حضارة بلا شك، بعيداً من ترداد عبارات من الماضي السحيق عن كيفية سرقة الغرب لحضارة العرب، فإن ممارساتنا في الحياة اليومية، وكلامنا، بل مشاعرنا الدفينة، لا تزال متخلّفة إلى حد بعيد. يحكمها الدين تارة، والتقاليد المجتمعية والأفكار، بل الأحكام المسبقة غالباً. وهي عبارات مخففة للاعتراف بالعنصرية.
العامل السوري لمعظم الأعمال الجارية من ورش بناء وأعمال يدوية، باستثناء محطات الوقود، فهي مخصصة للمصري، والنفايات لجنسيات آسيوية مختلفة من البلدان الفقيرة. لا نقول إننا نفتش عن عمال يساعدوننا بل "روح جيب كم سوري". ومعلوم أن كبار المتمولين والأغنياء السوريين هجروا بلادهم زمن الحرب ليشتروا العقارات الأغلى في الأحياء الراقية ويرفعوا الأسعار. وإذا دققنا ملياً في أصول عائلات عريقة صناعية وتجارية، فإن معظمها من دمشق، وخصوصاً من حلب. أما السري لانكية فهي لدى المتقدمين في السنّ، صفة كل عاملة سمراء. لا اسم لها، ولا سؤال عن جنسيتها، فقط "هيدي السري لانكية".
بين الطوائف حدّث ولا حرج. في الماضي كان الموارنة يرفضون تزويج أبنائهم وبناتهم لـ"الهراطقة الأرثوذكس"، والعكس صحيح. وتخبرني والدتي الراحلة كيف تلقت عقاباً من الراهبة عندما قررت صديقتها ألفيرا الزواج بأرثوذكسي، ولم تمنعها. فكيف الحال بالزواج بين أبناء الديانات المختلفة؟ الدروز يقفلون الباب نهائيا إلا لذوي النفوذ.
المسلمون يقبلون بزواج أبنائهم من مسيحيات وليس العكس. أبناء الجنوب الشيعة يتجنبون شيعة بعلبك. وهكذا دواليك. يسأل الأهل أبناءهم "ما عاد في بنات بالطائفة حتى تجيب وحدة غريبة؟"
العائلات العريقة لا تزال تنظر إلى أبناء عائلات متواضعة بعدم الرضا "مش هيّن هيدا ابن (...) فات على الجامعة كمان". كأن العلم يجب أن يقتصر على أبنائهم، وللآخرين أن يكونوا في خدمتهم. وحتى بين العائلات المتواضعة غير الأريستوقراطية ثمة تمييز. "لا أزوّج ابنتي إلى بيت (...)".
هي تفاصيل من واقعنا، نصفُها فقط، لا نعارضها بالمطلق، إذ إنها جزء من حياتنا اليومية التي اعتدناها، وصار تغييرها يربكنا، وستظل سائدة وفقاً للقول اللبناني المعروف "اللي بيغيّر عادته بتقلّ سعادته".
نبض