واقع العدالة الاجتماعية في عالم متغير

كتاب النهار 26-06-2026 | 04:12

واقع العدالة الاجتماعية في عالم متغير

في وقت يعيش فيه 3 مليارات إنسان بأقل من دولار في اليوم، تحصل كل بقرة أوروبية وأميركية على 3 دولارات في اليوم كدعم لإغناء أصحاب الضيعات الذين هم أغنياء في الأصل... هذا هو وجه اللامساواة في اقتصاد عالمي غارق في المضاربة...

واقع العدالة الاجتماعية في عالم متغير
ذكر ميلونشون بحجم الفوارق الصارخة في الأجور
Smaller Bigger

تبدو المسافة شاسعة بين ما تراكمه الأمم المتحدة من أدبيات عن العدالة الاجتماعية وبين واقع الممارسة على الأرض، بشكل يعزز اليقين أن العالم لايزال بعيداً تماماً عن كسب رهان العدالة الاجتماعية. لإثبات ذلك هناك مظاهر عدة تبرز حيناً في المعارك الانتخابية والسجالات السياسية، وفي أحيان أخرى تظهر عبر أبحاث ودراسات علمية موضوعية.

 

فرنسا نموذج لانعدام العدالة الاجتماعية

  نستحضر هنا صورة انعدام العدالة الاجتماعية في المجتمع الفرنسي، كما صورها في تجمع انتخابي سابق الوجه اليساري البارز  جان لوك ميلونشون المرشح السابق للرئاسيات الفرنسية، وأحد الوجوه السياسية القليلة على الساحة الفرنسية التي لا تزال تحاول أن تعطي مضموناً مختلفاً للسياسة في المرحلة المعاصرة.

 

ذكّر ميلونشون بحجم الفوارق الصارخة في الأجور، مشيراً الى أن المليارديرات الفرنسيين في 19 شهراً التي تغطي مرحلة جائحة كورونا، حصلوا على 236  مليار يورو وهو ما يعني 12 مليار شهرياً، 414 مليون يورو في اليوم، 17 مليون يورو في الساعة، 287 ألف يورو في الدقيقة و4790 يورو في الثانية، بينما هناك 17 مهنة حددتها وزارة العمل الفرنسية نظير العمال المنزليين، لا يتعدى معدل أجورهم 682 يورو في الشهر لعمال الإصلاحات، و766 يورو في الشهر للصرافين والصرافات، و859 يورو في الشهر لعمال البستنة والعاملين في القطاع الزراعي، ثم ما بين 787 و1023 يورو في الشهر لحراس الأمن. أما بالنسبة إلى حمالي السلع داخل المخازن فلا يتعدى دخلهم الشهري 1035 يورو، أما عمال البناء فلا يتعدى دخلهم الشهري 1145 يورو، والعمال المؤهلون للأشغال العمومية فلا يتجاوزون  1400 يورو في الشهر.

 

هذه الفوارق الكبيرة التي توجد في واحدة من نماذج الدول الغربية الرأسمالية لا تمثل حالة خاصة، بل تعكس حقيقة الواقع الذي يعرفه الاقتصاد المعلوم. 

كوفي أنان الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة أكد سنة 2004 أن العالم لم يشهد ما يعادل حجم الفقر الذي ينتشر في العالم وذلك منذ أربعين سنة التي هي عمر العولمة، كما أن المدة نفسها لم تسجل خروج أي بلد من دوامة الفقر وذلك منذ السبعينات من القرن الماضي، بل على العكس من ذلك هناك دول انزلقت إلى الفقر أو شارفت ذلك، كما تمثل تجربة الأرجنتين التي عادت بصعوبة من الهاوية بعد خصوعها الكامل للمؤسسات المالية الدولية.

 

الهشاشة الاجتماعية في شمال أميركا

 في الضفة الغربية للمحيط الأطلسي ليس هناك  اختلاف عن المشهد الذي صوره ميلونشون في فرنسا، بل ربما مظاهر توحش الرأسمالية تظهر بشكل أكبر وأبشع هناك، بحيث يقدم الاقتصادي الجزائري/الكندي عمر أكتوف، وهو يفسر مفهوم العولمة، أرقاماً صادمة تبرز حجم الفوارق الصارخة بين الدخل المالي لرموز العولمة، مقارنة، ليس فقط مع باقي العاملين في الحقل الاقتصادي حيث يحصل مثلًا كل عامل من بين ستة عمال كنديين على أجر يعادل عتبة الفقر.

 

وفي الولايات المتحدة الأميركية، نجد عاملاً من بين أربعة أو خمسة عمال يحصل على أجر يعادل عتبة الفقر أي ما بين 40 و60 مليون أميركي، بل مع متوسط الدخل لسنوات بعدد من الدول عبر العالم ومنها الولايات المتحدة الأميركية نفسها، إذ نجد أن معدل أجور المديرين ورؤساء المجالس الإدارية والمسؤولين التنفيذيين الكبار في الشركات الكبرى الكندية في الساعة، يراوح ما بين 6 آلاف دولار  و73 ألف دولار، بل إن ثلاثة أشخاص وهم: جاك ويلش الرئيس التنفيذي السابق لجنرال إليكتريك والرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد بنيويورك ثم الرئيس والمدير العام لكارفور الفرنسية، سيحصلون كمنحة نهاية الخدمة بعد الإحالة على التقاعد على ما يعادل 20 ألف سنة من متوسط الدخل الأميركي، و200 ألف سنة متوسط  الدخل الجزائري، و600 ألف سنة من متوسط الدخل في بنين، ومليون و200 ألف سنة من متوسط الدخل في بنغلاديش.

 

في وقت يعيش فيه 3 مليارات إنسان بأقل من  دولار في اليوم، تحصل كل بقرة أوروبية وأميركية على 3 دولارات في اليوم كدعم لإغناء أصحاب الضيعات الذين هم أغنياء في الأصل.

 

هذا هو وجه اللامساواة في اقتصاد عالمي غارق في المضاربة وبعيد عن الاقتصاد الحقيقي، لا يمثل سوى محرقة كبيرة وقودها الأساس هو الطبقات الفقيرة بما فيها الطبقة المتوسطة التي تآكلت بفعل الأزمات المالية وجشع الرأسمال.