.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
انتهت الحرب العراقية الإيرانية عام 1988. لا يزال هناك مفقودون عراقيون. ما هذا اللغز؟ مات آباؤهم وشاخ أبناؤهم. أما الأحفاد فقد تعلموا أن يجيبوا عن سؤال "ماذا كان جدك يعمل؟" بـ"مفقود"... تلك هي مهنته الأخيرة.
بلغة الحرب، فإن المفقود ليس أسيراً ولا ميتاً. إنه شبح لا يعترف بوجوده أحد غير أنه يتحرك بخفة بين السجلات، اسماً ورقماً من غير أن يستعيد هيئته وشكله اللذين يعبّران عن تاريخ مروره الحسي بالأشياء التي أعتقد أنها قد اكتسبت بطريقة عابرة شيئاً من عاداته.
"مفقود" ليست صفة. إنها حالة. كيان إيقاعي معقد يلف الآخرين بآهاته التي لا يسمعها أحد. في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام كثر المفقودون. نساؤهم مؤجلات وأبناؤهم ليسوا أيتاماً. ماذا يعني ذلك بلغة الدولة؟ لا شيء.
المفقود لا راتب شهرياً له. لا حقوق لأهله. قوة الإلغاء تغلب الميزان. ينقطع التسلسل وتضحك الأرقام من غبائها. "أما كان الإمام الغائب مفقوداً حتى تم التكلم باسمه باعتباره حجة آخر الزمان؟" سؤال ليس من باب السخرية ولكنه ينطوي على عتاب الأمهات. الأمهات لديهن ذاكرة الوعول التي لا تخطئ طريقها على الرغم من هلعها من رصاص الصيادين الذي يحيط بها.
لقد مر أولئك المفقودون بكراجَي النهضة والعلاوي. من النهضة ذهبوا إلى الجنوب ومن العلاوي ذهبوا إلى الشمال. شربوا الشاي بعدما أكلوا البيض المقلي. ما الذي حدث بعد ذلك؟ ناموا في الحافلات كما لو أنهم موتى. لم تكن لديهم أسماء. لكل واحد منهم أحلامه الصغيرة. ولكن بغداد وقد كانت حلمهم المؤجل كما يحدث في السينما لم تستقبلهم إلا باعتبارهم أشباحاً. شربوا شايها. لم تكن كريمة. قريباً من المتحف العراقي كانت طوابير الجنود تقف ولا تفكر في التاريخ. مازحت صديقي فوزي رشيد وهو مؤرخ وآثاري "ما الذي يفكر فيه الجنود في كراج العلاوي؟"، قال لي ضاحكاً "من المؤكد أنهم لم يفكروا في أوروك بل في بغداد. كان ذلك خطأً عظيماً".