شجار ترامب وميلوني مفتاح لفهم عالم جديد

كتاب النهار 24-06-2026 | 04:36
شجار ترامب وميلوني مفتاح لفهم عالم جديد

في هذا الزمن، قد تكون جملة عابرة أو صورة مختلف عليها كافية لكشف ما تخفيه القمم والبيانات الرسمية من توتر عميق في قلب الغرب نفسه.

شجار ترامب وميلوني مفتاح لفهم عالم جديد
ترامب ومليوني في قمة السبع (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يكن التشابك الكلامي الأخير بين دونالد ترامب وجورجيا ميلوني مجرد واقعة طريفة على هامش السياسة الدولية، ولا مجرد تلاسن شخصي بين زعيمين يعرف كل منهما كيف يستخدم المسرح الإعلامي.

كان المشهد، في جوهره، نموذجاً مكثفاً لفهم طريقة ترامب في التعامل مع العالم، وخصوصاً مع أوروبا. كما كان، في الوقت نفسه، مناسبة جديدة لإبراز ميلوني باعتبارها من أكثر الشخصيات الأوروبية إثارةً للاهتمام في هذه اللحظة. إمرأة قادمة من يمينٍ سياسي صلب، لكنها تحاول أن تتحرك داخل معادلات الحكم الأوروبي والدولي بحسابات لا تخلو من براعة ولا من تناقض.

ترامب لا يتصرف دائماً وفق خطة مرتبة بالمعنى الكلاسيكي للسياسة الخارجية، لكنه يملك غريزة سياسية حادة، ويدرك جيداً أثر الصدمة والإهانة والمبالغة في صناعة الموقف. هو لا يحتاج إلى مذكرة استراتيجية لكي يعرف أن إرباك الخصم، أو حتى الحليف، يمنحه مساحة تفاوض أوسع. ولا يحتاج إلى نظرية في العلاقات الدولية لكي يشعر أن الزعيم الذي يقبل الدخول إلى ملعبه الشخصي يصبح أضعف، حتى لو كان يقود دولة حليفة.

في تعامل ترامب مع القادة الأوروبيين، يظهر دائماً هذا الميل إلى كسر البروتوكول. هو لا يحب اللغة الديبلوماسية لأنها، في نظره، تخفي الضعف وتؤجل الحسم. يفضل العبارة الصادمة، والإشارة الشخصية، والتقليل من شأن الآخرين، ثم انتظار رد الفعل. فإذا صمتوا، اعتبر ذلك اعترافاً ضمنياً بالضعف. وإذا ردوا، جرّهم إلى ساحة يبرع فيها، ساحة المشاجرة العلنية، حيث لا تُقاس المواقف بعمقها، بل بقدرتها على جذب الانتباه.

هذا بالضبط ما حدث مع ميلوني. فالرئيس الأميركي لم يناقش معها موقفاً سياسياً أو خلافاً على قاعدة عسكرية أو سياسة دفاعية، بل ذهب إلى نقطة شخصية رمزية، الصورة، الشعبية، الحاجة إلى القرب منه. هنا تكمن طريقة ترامب. إنه يحول العلاقة بين الدول إلى علاقة بين أشخاص، ثم يحول العلاقة بين الأشخاص إلى اختبار مكانة. من يحتاج إلى من؟ من يستفيد من صورة مع من؟ من يملك الجماهيرية؟ من يستطيع أن يحرج الآخر أمام جمهوره؟

ميلوني لم تكتف بالدفاع عن نفسها، بل وسّعت الرد ليشمل إيطاليا. قالت، بمعنى واضح، إن الأمر لا يتعلق بصورة شخصية ولا بلحظة بروتوكولية، بل ببلدٍ لا يستجدي. وهذه نقطة ذكية. لأنها نقلت السجال من مستوى شخصي قد يخدم ترامب إلى مستوى وطني يخدمها هي. لم تظهر كزعيمة غاضبة لأن ترامب أهانها، بل كزعيمة ترد لأن الإهانة مست سيادة إيطاليا ومكانتها.

التشابك بينها وبين ترامب يكشف مفارقة مهمة. فكلاهما ينتمي، بدرجات مختلفة، إلى عالم سياسي يميني ينتقد العولمة والنخب التقليدية والبيروقراطية الأوروبية. وكان المتوقع، نظرياً، أن تكون العلاقة بينهما سهلة. لكن الواقع يقول إن التشابه الأيديولوجي لا يكفي لصناعة تفاهم سياسي. فترامب لا يبحث عن حلفاء يشاركونه بعض الأفكار بقدر ما يبحث عن حلفاء يعترفون بمركزية زعامته. وميلوني، رغم قربها النسبي من بعض أفكاره، لا تستطيع أن تظهر أمام الإيطاليين كمن يتلقى الإملاءات من واشنطن أو يقبل الإهانة الشخصية.