"اللبناني النازح"... القدر الظالم أم الوطن بلا دولة؟

كتاب النهار 19-06-2026 | 06:15

"اللبناني النازح"... القدر الظالم أم الوطن بلا دولة؟

في العقود التي أعقبت تحرر الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000 حتى الساعة كان النزوح نتيجة عامل داخلي حصري مرتبط بتحالفات الإقليمية ، أي ان النزوح هنا لم تعد تنطبق عليه معايير عرفتها كل الطوائف والمناطق اللبنانية سابقا .
"اللبناني النازح"... القدر الظالم أم الوطن بلا دولة؟
جنوبية فوق اطلال منزلها المدمر
Smaller Bigger

شعرة واهية تفصل بين واقع الهجرة التاريخية إلى انحاء العالم والمغتربات، التي طبعت اللبنانيين منذ قرون، وواقع النزوح الداخلي والخارجي بفعل الحروب والاحتلالات والأحداث الأمنية، خصوصاً في العقود الخمسة الأخيرة. والحال أن التمييز بين النزوح والهجرة يغدو صعباً حين يكون النزوح المسبب الأساسي لهجرة خارجية على غرار ما حصل في حقبات من الحروب المتعاقبة منذ العام 1975 في موجات كثيفة كان من أخطر مسبباتها الفرز السكاني الديموغرافي على أساس طائفي، بحيث حصل النزوح الداخلي من منطقة إلى أخرى بما أفضى إلى نشوء وترسيخ الواقع التقسيمي لمدة طويلة. ولم تكن المناطق "الصافية" طائفياً، والمدارة من قوى حزبية وميليشيات من اللون الطائفي نفسه قادرة - بطبيعة الحال - على تحمل أعباء النزوح الثقيل.

 

أدّى ذلك إلى استتباع النزوح، لدى مختلف الطوائف اللبنانية، بهجرات متعاقبة، ولو تفاوتت أحجامها بين طائفة وأخرى؛ وكانت حصة الأسد من الهجرة الخارجية في ظروف ما بين الثمانينيات والألفين للطوائف المسيحية ظاهراً. لكن الواقع الموضوعي كشف لاحقاً أن الطوائف الإسلامية أيضاً شهدت نزفاً كبيراً.

 

وإذا كان مفهوم النزوح الراهن يذهب تلقائياً إلى الطائفة الشيعية، كأكبر طائفة تعرضت قديماً وحديثاً لموجات وتجارب النزوح المضنية من الجنوب خصوصاً، فإن ذلك يربط مسألة النزوح مجدداً بالأسباب السياسية الأبعد والأخطر من الأسباب الاجتماعية، التي ترتبط بنزوح طوعي، من مثل هجرة أبناء الريف إلى المدن، ولا سيما العاصمة بيروت في النموذج اللبناني. 

 

في ظلّ هذا التشابك الذي يغلب على التمييز الموضوعي بين النزوح والهجرة، علماً بأن النزوح أشدّ وطاة ببعده المباشر من الهجرة التي تتحول في معالمها الاستراتيجية إلى مصدر إغناء اقتصادي للمقيمين، مثلما أقامت للبنان معالم أسطورية في التفوق اللبناني الفذّ في عالم الانتشار، كما وفّرت له مصادر قوة لدى حكومات المغتربات التي تحتضن اللبنانيين.

 

أما النزوح فمعظم معالمه وأسبابه وظروفه القاهرة كانت ولا تزال تشكّل مبعث خطورة داخلية شديدة التأثير في مسار تطور البلد ومشروع الدولة في لبنان، لأن تجارب النزوح - في أغلب الأحيان - كانت تقترن باضطرابات وأزمات داخلية، وتصبح عنواناً لمراحل شديدة الأذى للنازح والمضيف والدولة، سواء بسواء. النزوح في مطالع الحرب، في السبعينيات، كان بسبب المعارك الحربية والفرز الطائفي، لكنه في العقود التي أعقبت تحرر الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000 حتى الساعة كان نتيجة عامل داخلي حصريّ مرتبط بتحالفات إقليمية. فالنزوح هنا لم تعد تنطبق عليه معايير عرفتها كلّ الطوائف والمناطق اللبنانية سابقاً، بل صار النتيجة الدراماتيكية الاجتماعية والجغرافية والإنسانية التي تلتصق بفئة أكثر من غيرها، ولو أن الجنوب تحديداً يضمّ كلّ الطوائف. 

 

تحوّلت ظاهرة النزوح في لبنان منذ حرب تموز 2006 إلى مفهوم مختلف عما سبق، سواء في الجنوب كمنطقة ملاصقة تاريخيّة للصراع العسكري مع إسرائيل، إذ غدت تبعات النزوح هنا حصراً على فريق بعينه، هو الفريق الذي فرض مفهومه لـ "المقاومة " بقوة السلاح داخلاً وخارجاً، فيما لم تكن ثمة دولة حامية لحق الناس في تجنب كأس النزوح مرات ومرات مع كل التضحيات المخيفة.

 

بلغت مأساة النزوح منتهى دراميتها في السنوات الثلاث الأخيرة تحديداً، بعدما أسقط فريق الارتباط بالمحور الإقليمي الإيراني المصالح العليا للبنان، ورفع مصالح محوره الخارجي، وجعل التضحية بناسه وبيئته عنواناً تاريخياً لتقديم مصالح الخارج على ناسه ودولته ووطنه كلاً.

 

بذلك، يسقط كلّ ادّعاء عن قدرية النزوح، أولاً لأن الخطر من القدرية هو الاستسلام لتحالف داخلي إقليمي قاتل، وثانياً لأن الدولة القوية الحامية المانعة لتهور جماعات بهذا الشكل الانتحاري، يغدو بدوره مسببَ نزوح كارثي.   

 

           

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان 6/18/2026 8:47:00 PM
واشنطن توسّع عقوباتها على شبكة علاء حمية المرتبطة بـ"حزب الله"
لبنان 6/19/2026 12:14:00 PM
بعد مقتل 4 جنود... إسرائيل تبحث توسيع الرد وتناقش استهداف الضاحية الجنوبية