"نخنوخ" والدولة: تحولات النفوذ في مصر!

كتاب النهار 16-06-2026 | 04:10
"نخنوخ" والدولة: تحولات النفوذ في مصر!

لا تتعلق القيمة الأهم التي تطرحها قضية صبري نخنوخ بمصير متهم أو بحكم قضائي منتظر، بل بما تفتحه من نقاش حول مستقبل المجال العام المصري، وطبيعة القيم التي ستحدد معايير المكانة والشرعية والنفوذ خلال السنوات المقبلة...

"نخنوخ" والدولة: تحولات النفوذ في مصر!
رجل الأعمال المصري صبري نخنوخ (أرشيف)
Smaller Bigger

لم تكن إحالة صبري حلمي نخنوخ وعشرة متهمين آخرين على محكمة الجنايات المصرية مجرد تطور قضائي عادي في مسار قضية جنائية، بقدر ما تحولت إلى حدث عام استثنائي استحوذ على اهتمام الرأي العام والإعلام خلال الأسابيع الأخيرة.

فالقضية، بما أثارته من نقاشات واسعة، تجاوزت حدود الاتهامات المنسوبة إلى المتهمين لتفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة النفوذ في المجتمع المصري، ومصادر الشرعية الاجتماعية، والعلاقة بين الدولة ومراكز القوة غير الرسمية التي برزت خلال فترات التحول والاضطراب، إذ كشفت ردود الفعل الواسعة المصاحبة للقضية أن المجتمع لا يتابع مجرد محاكمة لشخصية مثيرة للجدل، بل يعيد النظر في ظاهرة اجتماعية وسياسية تشكلت على مدار سنوات طويلة، والكيفية التي تُصنع بها المكانة الاجتماعية، ومن أين تستمد الشخصيات العامة نفوذها وتأثيرها داخل المجال العام.

على مدى عقود، ارتبط الصعود الاجتماعي في مصر بصورة رجل الأعمال المنتج أو المستثمر الذي يبني مكانته من خلال النشاط الاقتصادي وتأسيس المشروعات وتوفير فرص العمل. وكان الإنجاز الاقتصادي يمثل المصدر الرئيسي للنفوذ والاعتراف الاجتماعي، وكانت الثروة ينظر إليها بوصفها نتيجة لعملية إنتاج أو استثمار ناجحة، حتى لو باستغلال النفوذ أو الفساد، غير أن السنوات التي أعقبت أحداث كانون الثاني/يناير 2011 شهدت تحولات عميقة في هذا النموذج، مع ظهور أنماط جديدة من النفوذ اعتمدت بدرجة أكبر على الحضور الشخصي، والقدرة على الحشد، وبناء شبكات الولاء والعلاقات، واستعراض القوة والهيبة في المجال العام.

في تلك المرحلة الانتقالية التي اتسمت بقدر كبير من السيولة السياسية والاجتماعية، بدأت بعض الشخصيات تكتسب نفوذها من مصادر تتجاوز النشاط الاقتصادي التقليدي، لتقترب من النموذج الذي عرفته الثقافة الشعبية المصرية تاريخياً تحت مسمى "المعلم"، وهو نموذج لا يستمد مكانته من الثروة وحدها، بل من قدرته على التأثير المباشر، وإدارة شبكات واسعة من العلاقات، وفرض حضوره داخل المجال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وربما الشعبي أيضاً.

تنمو مثل هذه الظواهر عادة في الفترات التي تشهد اهتزازاً في الثقة العامة بالمؤسسات أو اضطراباً في التوازن بين الدولة والمجتمع. فعندما تتراجع قدرة المؤسسات على أداء أدوارها التنظيمية والرمزية بصورة كاملة، تظهر شخصيات تحاول ملء الفراغ عبر تقديم نفسها باعتبارها وسيطاً بين المواطنين والدولة، أو باعتبارها مركزاً موازياً للنفوذ والتأثير. وقد وفرت الظروف التي أعقبت عام 2011، بما شهدته من اضطرابات سياسية واستقطاب حاد ومحاولات منظمة لإضعاف مؤسسات الدولة وتشويه صورتها، بيئة مناسبة لتمدد بعض هذه الأنماط.