هل يتحوّل دفن خامنئي استعراض قوة أم يخذل الشارع مجتبى؟

كتاب النهار 14-06-2026 | 16:37

هل يتحوّل دفن خامنئي استعراض قوة أم يخذل الشارع مجتبى؟

يمكن فهم مشروع تشييع خامنئي لا كحدث جنائزي منفصل بل كجزء من معركة النظام لصناعة صورة قوة في لحظة ضعف.
هل يتحوّل دفن خامنئي استعراض قوة أم يخذل الشارع مجتبى؟
سيدتان تحملان صورة خامنئي
Smaller Bigger

تكشف التطورات الأخيرة داخل نظام ولاية الفقيه أن مرحلة ما بعد علي خامنئي لا تُدار من موقع قوة، بل من موقع خوف مركّب. خوف من الشارع وخوف من تفكّك القمة. ففي آخر رسائله السياسية حدّد مجتبى خامنئي عملياً تهديدين رئيسيين للنظام: تآكل قدرة المجتمع على التحمّل، واتساع الشقاق داخل رأس السلطة.

ولذلك دعا إلى "الوحدة والانسجام والثقة المتبادلة بين الشعب والمسؤولين"، محذراً من أي تصرّف يؤدي الى فقدان ثقة الناس وإحباطهم وفي ذلك "مساعدة للعدو". هذه العبارة ليست أخلاقية أو إعلامية فقط بل أمنية بامتياز. فهي تعني أن مركز السلطة الجديد يرى أن الخطر الحقيقي لا يأتي فقط من الخارج بل من لحظةٍ تلتقي فيها الأزمة الاجتماعية مع الانقسام داخل الحكم. من هنا يمكن فهم إلحاح النظام على خطاب الوحدة لا كدليل استقرار بل كمؤشر على قلق عميق من احتمال انتقال التصدّع في القمة الى الشارع.

 

غياب من كان قادراً على فرض توازن الأجنحة

 

الخلاف داخل النظام ليس جديداً، لكن هذه المرة يختلف نوعياً. فغياب خامنئي أزال مركزاً كان قادراً رغم كل أزماته على ضبط الأجنحة وفرض التوازن بينها. أما مجتبى فرغم نفوذه داخل بيت المرشد وارتباطه بالأجهزة الأمنية، فإن "الحرس الثوري" لا يملك حتى الآن القدرة نفسها على فرض الهيمنة على شبكات السلطة المتنافسة. لذلك فإن كثرة الحديث عن الوحدة ليست دليل قوة بل دليل أزمة. حين تحذف وسائل الإعلام الرسمية أجزاء من رسالة مجتبى وحين يكتب عشرات النواب ضد التفاوض مع الولايات المتحدة بينما يدفع آخرون في اتجاه التسوية، فهذا يعني أن الخلاف لم يعد تفصيلاً داخل الغرف المغلقة بل أصبح جزءاً من المشهد السياسي العلني.

 

الأهم أن هذه التصريحات تأتي في لحظة لا يملك فيها النظام ترف المناورة الطويلة. فهو يواجه ملفات متراكمة: أزمة اقتصادية خانقة، غضبٌ اجتماعي، مأزق الحرب والتفاوض، وتراجع قدرة السلطة الجديدة على فرض الطاعة داخل بنية الحكم.

 

أزمة اجتماعية متفاقمة

 

وإلى جانب انشقاق في القمة يواجه النظام أزمة اجتماعية متفاقمة. فالاحتقان الشعبي الذي كان أساس انتفاضات 2017 و2019 و2022 وما بعدها لم يتراجع، بل ازداد عمقاً بفعل الانهيار الإقتصادي، وتراجع الخدمات، وتوسع الفقر، واستمرار الإعدامات والقمع. دلالات خطاب مسؤولي النظام حول "ضرورة حفظ الشارع" تكشف أن الشارع لم يعد مجرّد ساحة احتجاج، بل أصبح في وعي النظام "الأمل الأمني الأخير" الذي يخشى فقدانه. وعندما يتحدث بعض محلّلي النظام عن وضع يُشبه "مرضاً سرطانياً" لا يستطيع النظام علاجه، فذلك يعكس إدراكاً داخلياً بأن الأزمة الداخلية يمكن أن تتحوّل في أي لحظة أزمة اجتماعية وسياسية كبرى. بهذا المعنى فإن الخوف من الانتفاضة ليس عنصراً جانبياً في حسابات النظام، بل هو الخلفية التي يجب من خلالها قراءة كل سلوك سياسي وأمني في المرحلة الحالية. 

 

"الحرب والتفاوض: معادلة لا يستطيع النظام حسمها". من هنا يجب قراءة الحرب والتفاوض مع واشنطن. النظام يعرف أن الحرب تُضعفه وتستنزفه، لكنه يرى في الأزمات الخارجية وسيلة لتأجيل الانفجار الداخلي وفرض الانضباط، وتبرير القمع وإعادة ترتيب السلطة. في المقابل لا يستطيع الذهاب الى سلام حقيقي أو تفاوض جذري لأن ذلك يعني التخلي عن أدوات ابتزازه وبقائه. لذلك يحاول النظام العيش في منطقة رمادية لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي. لا مواجهة كاملة ولا تسوية نهائية. لكنه يعرف أن هذه المعادلة موقّتة، وأن استمرارها لا يحل أزماته البنيوية. فالحرب والمفاوضات ليستا ملفين خارجيين فقط، بل أداتان يستخدمهما النظام لإدارة خوفه من الداخل، ومحاولة منع تراكم الغضب الاجتماعي من التحوّل انتفاضة شعبية.

 


"مشروع استعراض الجثمان: صناعة شرعية بعد الموت"

من هنا يمكن فهم مشروع تشييع خامنئي لا كحدث جنائزي منفصل بل كجزء من معركة النظام لصناعة صورة قوة في لحظة ضعف. فاستعراض جثمانه في طهران وقم وربما في مدن عراقية مثل النجف وكربلاء قبل نقله الى مشهد في بداية شهر محرّم يحمل وظيفة سياسية وأمنية واضحة. الهدف ليس دينياً أو جنائزياً فقط. النظام يريد ربط خامنئي بعاشوراء ومراسم محرّم، وتحويل الجنازة استفتاءً دعائياً على بقاء النظام وشرعية مجتبى. الحديث المبكر عن 15 الى 20 مليون مشارك في التشييع يكشف طبيعة المشروع: صناعة مشهد جماهيري ضخم عبر أجهزة الدولة، والنقل التلفزيوني، والحشد المنظّم، والضغط الإداري، ثم تقديمه دليلاً على أن خامنئي كان أكثر حضوراً من الخميني، وأن مجتبى يرث قيادة "لها شعبية" واسعة. عدم دفن خامنئي الى جانب الخميني يحمل هو الآخر دلالة سياسية، فالنظام لا يريد أن يظهر خامنئي امتداداً ثانوياً للخميني. بل يسعى الى صناعة مركز رمزي مستقل له في مشهد للاستفادة من البعد الديني والزيارات والحشد المستمر بهذا المعنى. لا يريد النظام دفن خامنئي فقط بل يريد تحويل قبره اداةً سياسية مستمرة في خدمة تثبيت مجتبى.

 

القراءة التحليلية: استعراض جثمان خامنئي ليس دليل ثقة بل خوف. يحاول النظام عبر الجنازة أن يرد على ثلاث أزمات. أزمة الشرعية وأزمة الشارع وأزمة انتقال السلطة. يريد أن يقول للداخل والخارج أن له قاعدةً اجتماعية، وأنه قادر على الصمود أمام الحرب والانتفاضة. لكن هذه الصورة مهما ضُخّمت إعلامياً لا تحل أزمة الماء والكهرباء والغاز، ولا تعالج الفقر، ولا توقف صراع الأجنحة، ولا تجيب عن مأزق الحرب والتفاوض. ما يجري ليس مجرد مراسم تشييع بل محاولة لصناعة شرعية مصطنعة في لحظة انتقال هش. استعراض جثمان خامنئي يهدف الى إخفاء انقسام القمة وخوف النظام من الشارع. لكنه لا يستطيع إلغاء الحقيقة الأساسية. وهي نظام مثقل بالأزمات، ومجتمع قابل للانفجار، ومقاومة منظمة قادرة على تحويل لحظة الضعف في القمة الى فرصة ضغط في الشارع.

في هذا السياق لا يبدو مشروع التشييع حدثاً منفصلاً عن معركة البقاء داخل النظام بل جزءاً من محاولة أوسع للربط بين عناصر ثلاثة. اتساع التصدّعات في رأس السلطة، خوف النظام من الشارع، والسعي الى تحويل جثمان مجتبى أداةً دعائية لتثبيت خلافته. وقد يتحوّل ما يريد النظام تقديمه كاستعراض قوة دليلاً إضافياً على هشاشة، خصوصاً إذا استطاعت المقاومة المنظمة تحويل الضعف ضغطاً سياسياً واجتماعياً في الشارع.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 6/13/2026 11:43:00 AM
تظهر المشاهد شاباً وهو يتسلَق برشاقة منحدراً وعراً، متدلياً عليه بيد واحدة.
النهار تتحقق 6/13/2026 2:08:00 PM
كيف علّق مصدر أمني لـ"النهار" على هذه الأخبار المتداوَلة؟
طبخ 6/12/2026 11:22:00 AM

قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.

رياضة 6/11/2026 1:37:00 PM
القنوات الناقلة لكأس العالم 2026... هناك قنوات ستبث المباريات مجاناً خلال مونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك