لبنان بين "أورنيم الصغرى" و"أورنيم الكبرى"!

كتاب النهار 13-06-2026 | 06:14

لبنان بين "أورنيم الصغرى" و"أورنيم الكبرى"!

السؤال المطروح اليوم لم يعد: أين ستتوقف القوات الإسرائيلية؟ بل أي جنوب سيبقى للبنان إذا نجحت إسرائيل في فرض رؤيتها الأمنية الجديدة؟

لبنان بين "أورنيم الصغرى" و"أورنيم الكبرى"!
تُظهر هذه الصورة الدخان المتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية شوكين في 11 يونيو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

ليست المعركة الدائرة اليوم في جنوب لبنان مجرد مواجهة على تلة أو وادٍ أو قرية حدودية. ما يجري أبعد من ذلك بكثير.

 

إنها معركة على الخرائط نفسها، وعلى الخطوط التي ستفصل بين النفوذين الإسرائيلي و"حزب الله" في مرحلة ما بعد الحرب، وعلى شكل الجنوب الذي قد يولد من تحت الركام إذا نجحت إسرائيل في تحويل مكاسبها العسكرية إلى وقائع سياسية دائمة.

في الوقت الذي تتعثر فيه المفاوضات الجارية في واشنطن، وتتراكم الإنذارات العسكرية على الأرض، تتزايد المؤشرات إلى أن إسرائيل لم تعد تفكر بمنطق العودة إلى ما قبل الحرب، بل بمنطق فرض واقع أمني جديد يتجاوز حدود القرار 1701 ونهر الليطاني، وصولاً إلى مناطق كانت حتى وقت قريب تُعتبر جزءاً من العمق الاستراتيجي لـ"حزب الله".

مصدر ديبلوماسي معني بالمفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية الجارية في واشنطن كشف لـ"النهار" أن اتفاقاً لوقف إطلاق نار شامل موجود على الطاولة منذ جولة الخامس عشر من أيار/ مايو، إلا أن محاولتين أساسيتين لإقراره أُفشلتا خلال الأسابيع الماضية. ويضيف المصدر أن الجهد الحالي يتركز على منع إفشال اتفاق خاص بمنطقة تجريبية في محيط قلعة الشقيف، تُعتبر اختباراً أولياً لأي ترتيبات أمنية مستقبلية.

وتكتسب هذه المنطقة أهمية استثنائية لأنها قد تشكل النموذج الأول لانسحابات إسرائيلية لاحقة. أما فشلها، فقد يفتح الباب أمام تثبيت وقائع ميدانية جديدة تسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بمواقع متقدمة، بما يضع النبطية نفسها في دائرة الخطر ويهدد بتحويلها إلى الحلقة التالية بعد البلدات التي أصبحت تحت السيطرة أو النفوذ العسكري الإسرائيلي.

لهذا السبب، تبدو جولة المفاوضات المرتقبة ابتداءً من 22 حزيران/ يونيو مفصلية. فبينما تتحدث أوساط ديبلوماسية عن قناعة متزايدة بضرورة عودة إسرائيل إلى ما يُعرف بالمنطقة الصفراء، يبقى تنفيذ هذا المسار مشروطاً بالتوافق على المنطقة التجريبية وآليات مراقبتها وضماناتها. وفي المقابل، تتصاعد في أوساط جنوبية مخاوف من أن يكون جبل عامل أمام لحظة تاريخية قاسية قد تُعيد رسم توازناته وحدوده الأمنية تحت ضغط الوقائع العسكرية والتفاهمات الإقليمية.

لكن ما يجري في غرف التفاوض ليس سوى انعكاس لما يُناقش داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها.

فبحسب تقارير إسرائيلية، يقف الجيش أمام خيارين استراتيجيين يُعرفان داخلياً باسم "أورنيم الصغرى" و"أورنيم الكبرى". و"أورنيم" ـ وهي كلمة عبرية تعني أشجار الصنوبر وتُستخدم كتسمية رمزية لخطط وعمليات عسكرية ـ باتت تختصر مفترق الطرق الذي تواجهه القيادة الإسرائيلية اليوم.

الخيار الأول، أو "أورنيم الصغرى"، يقوم على تثبيت الإنجازات الحالية وتحويلها إلى حزام أمني فعلي يمنع عودة التهديدات إلى الحدود الشمالية. أما الخيار الثاني، "أورنيم الكبرى"، فيفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تماماً: التقدم شمالاً نحو النبطية والزهراني، والتوسع غرباً باتجاه صور وصيدا، وصولاً إلى إعادة رسم الجغرافيا الأمنية للجنوب اللبناني بأكمله.

 

حين لم يعد الليطاني يكفي


ولعل أكثر ما يعزز هذه المخاوف هو الإنذارات التي وجّهها الجيش الإسرائيلي خلال الأيام الماضية إلى سكان مناطق في محيط صور وصيدا، طالباً منهم إخلاءها. فمثل هذه الإنذارات لا تُقرأ عادة بوصفها إجراءات احترازية فحسب، بل باعتبارها مؤشراً إلى إدراج المناطق المعنية ضمن مسرح العمليات المحتمل أو ضمن بنك الأهداف العسكرية. وبذلك، فإن إدخال محيط صور وصيدا إلى دائرة التحذيرات يشي بأن الساحل الجنوبي لم يعد خارج الحسابات الميدانية الإسرائيلية إذا ما اتُخذ قرار بالانتقال إلى مرحلة أوسع من الحرب.

وفي قلب هذه الحسابات يبرز وادي السلوقي. فهذا الوادي ليس مجرد معلم جغرافي. إنه أحد أكثر المواقع رسوخاً في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية منذ حرب تموز 2006، حين تحوّل إلى رمز لفشل التقدم الإسرائيلي وللقدرة القتالية التي أظهرها "حزب الله" في استغلال التضاريس الجنوبية.

وعندما يتحدث الجيش الإسرائيلي اليوم عن تحقيق "سيطرة عملياتية" شمال وادي السلوقي، فإنه لا يعلن احتلالاً دائماً بقدر ما يعلن سقوط إحدى العقد الدفاعية الطبيعية التي لطالما شكلت جزءاً من العمق الميداني للحزب. فالسيطرة العملياتية تعني القدرة على الحركة والرصد والاستهداف ومنع الخصم من استخدام المنطقة بحرية، وهو ما يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض.

لكن التطور الأكثر دلالة يتمثل في انتقال الحديث من الليطاني إلى الزهراني. فعلى مدى ما يقرب من عقدين، شكّل الليطاني المرجعية السياسية والعسكرية لأي نقاش يتعلق بجنوب لبنان بعد القرار 1701. أما اليوم، فإن مجرد تداول الزهراني كخط أمني محتمل يكشف حجم التحول الذي طرأ على التفكير الإسرائيلي. فالزهراني لا يقع في الشريط الحدودي ولا في المنطقة التقليدية للمواجهة، بل يشكل البوابة الجنوبية للنبطية والعقدة التي تربط الجنوب ببيروت والبقاع.

وهنا تحديداً تدخل النبطية إلى قلب المشهد. فالمدينة ليست مجرد مركز سكاني كبير، بل إحدى أهم ركائز البنية السياسية والاجتماعية واللوجستية للبيئة الحاضنة لـ"حزب الله". ولذلك فإن اقتراب العمليات الإسرائيلية من محيطها لا يُنظر إليه باعتباره تقدماً ميدانياً عادياً، بل مؤشراً إلى انتقال الحرب من الأطراف إلى العقد المركزية في الجنوب.

أما المفارقة اللافتة، فهي أن إسرائيل تعترف بأن التهديد الأخطر لم يعد الصواريخ أو الأنفاق، بل الطائرات المسيّرة. فالحرب الحالية تحولت تدريجياً إلى سباق تكنولوجي مفتوح، تحاول فيه إسرائيل دفع منصات تشغيل المسيّرات إلى عمق أكبر داخل الأراضي اللبنانية، فيما يسعى "حزب الله" إلى الحفاظ على قدرته على الاستنزاف وإبقاء الجبهة مشتعلة.

وسط كل ذلك، جاء تصريح قائد الكتيبة 13 في لواء "غولاني" عن استعداد قواته للوصول إلى بيروت إذا صدرت الأوامر. قد يكون هذا الكلام أقرب إلى رسالة ردع وضغط نفسي منه إلى خطة عملياتية جاهزة، لكنه يكشف حقيقة أكثر أهمية: المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تريد إقناع خصومها وحلفاzها معاً بأنها لم تعد مستعدة للعودة إلى معادلة ما قبل الحرب.

وإذا كان الزهراني يمثل في الحسابات الإسرائيلية خطاً أمنياً متقدماً، فإن بيروت تبقى السقف السياسي والنفسي للحرب. فحين يتحدث ضابط ميداني إسرائيلي عن الاستعداد للوصول إلى العاصمة اللبنانية، فهو لا يرسم بالضرورة خطة عسكرية جاهزة للتنفيذ، بل يبعث برسالة تتجاوز الميدان إلى السياسة والاستراتيجية. فبيروت هنا ليست هدفاً عسكرياً مباشراً بقدر ما هي رمز لأقصى ما يمكن أن تبلغه الحرب إذا انهارت الضوابط القائمة وفشلت التسويات المطروحة. ومن خلال هذا التلويح، تحاول إسرائيل الإيحاء بأن حدود المواجهة لم تعد محصورة بالشريط الحدودي أو بجنوب الليطاني، وأنها مستعدة، نظرياً على الأقل، للذهاب أبعد بكثير مما قبلت به في جولات الصراع السابقة إذا اعتبرت أن أمنها لم يعد قابلاً للضمان بالوسائل التقليدية.

السؤال المطروح اليوم لم يعد: أين ستتوقف القوات الإسرائيلية؟ بل أي جنوب سيبقى للبنان إذا نجحت إسرائيل في فرض رؤيتها الأمنية الجديدة؟

وبين مفاوضات تتعثر في واشنطن، وخطط عسكرية تتوسع على الأرض، وخرائط جديدة يجري اختبارها بالنار، يبدو أن الصراع لم يعد يدور حول وقف الحرب فقط، بل حول طبيعة السلام الذي سيليها، ومن سيرسم حدوده، وأين ستنتهي خطوطه الفعلية؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
رياضة 6/11/2026 1:37:00 PM
القنوات الناقلة لكأس العالم 2026... هناك قنوات ستبث المباريات مجاناً خلال مونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك
رياضة 6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض