مونديال على الطريقة الترامبية

كتاب النهار 11-06-2026 | 05:05

مونديال على الطريقة الترامبية

أميركا التي علمت الآخرين لغة التأشيرات المرنة وبرامج التبادل والانفتاح الأكاديمي، تمنح العالم في المونديال درساً مختلفاً: إن الخوف حين يتمكن من الدول الكبرى، يغلق الأبواب بأكثر مما يفعل الفقر أو الضعف في الأطراف.

مونديال على الطريقة الترامبية
الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب).
Smaller Bigger

لو أراد أحد أن يصنع كاريكاتيراً سياسياً عن أميركا المعاصرة، فلن يحتاج إلى انتخابات أو حروب أو خطابات دونالد ترامب.

 

يكفيه أن يراقب الأيام التي سبقت انطلاق كأس العالم. لاعب عراقي يُستجوب لساعات طويلة دون تهمة. حكم صومالي يقطع آلاف الكيلومترات ليجد نفسه عائداً من حيث أتى رغم اعتماده من الفيفا. جماهير تكتشف أن قارورة المياه تخضع لمنطق السوق أكثر مما تخضع لمنطق الإنسان. وتنقلات تمتد آلاف الكيلومترات في بطولة يفترض أنها الاحتفال الأكثر شعبية في العالم.

 

فجأة، لم يعد المونديال مجرد بطولة كرة قدم، بل أصبح مرآة مكبرة تكشف التناقض بين أميركا التي تتحدث عن الانفتاح، وأميركا التي تتصرف كأنها قلعة محاصرة.

 

حصن يفتش الداخلين

 

 

المفارقة أن القلاع تُبنى عادة عندما تخاف المدن، لا عندما تثق بنفسها. فالولايات المتحدة التي قدمت نفسها طويلاً بوصفها ساحة مفتوحة للأفكار والناس والفرص، تبدو اليوم أقرب إلى حصن يفتش الداخلين أكثر مما يرحب بهم. الحدود التي كانت تُسوق كرمز للانفتاح على العالم تحولت عملياً إلى حواجز نفسية وأمنية قبل أن تكون نقاط عبور. وأميركا التي علمت الآخرين لغة التأشيرات المرنة وبرامج التبادل والانفتاح الأكاديمي، تمنح العالم في المونديال درساً مختلفاً: أن الخوف حين يتمكن من الدول الكبرى، يغلق الأبواب بأكثر مما يفعل الفقر أو الضعف في الأطراف.

 

لهذا لا يبدو ما يجري في مونديال 2026 مشكلة رياضية بقدر ما يبدو انعكاساً لتحوّل أعمق داخل الغرب نفسه. فالعالم الذي أمضى عقوداً يعلم الآخرين معنى العولمة، يبدو اليوم أقل حماساً لها من أي وقت مضى. والعالم الذي بشّر بحرّية الحركة وتدفق البشر والأفكار، بات أكثر انشغالاً بالتفتيش والمنع والتدقيق والقيود.

 

صار المشهد أشبه بشركة كبرى قررت فجأة أن تتعامل مع زبائنها عبر زجاج عازل للصوت، تستمر في عرض البضائع نفسها، لكنها لم تعد مستعدة لتحمل فوضى الحشود ولا ضجيج الأسئلة. في الملاعب كما في المطارات، لا يعود السؤال: كيف نجعل حضور الناس أسهل؟ بل كيف نجعله أكثر قابلية للضبط والقياس والتسعير؟ وهكذا يصبح المونديال نموذجاً مصغراً لعالم يراجع صفقته مع العولمة؛ يريد استمرار تدفق رؤوس الأموال، لكنه أقل حماساً لتدفق الأجساد.

 

وربما لهذا تبدو تفاصيل البطولة وكأنها تتحرك وفق منطق واحد مهما بدت متباعدة. فالتذكرة لم تعد مجرد تذكرة، بل اختبار للقدرة الشرائية. والمشجع لم يعد ضيفاً عالمياً، بل مستهلكاً محتملاً. وحتى الرحلة بين مدينة وأخرى تحولت إلى تذكير دائم بأن البطولة أُسندت إلى جغرافيا هائلة قبل أن تُسند إلى فكرة كروية.

 

وكأن المونديال انتقل، للمرة الأولى، من كونه احتفالاً بالشعوب إلى كونه مشروعاً لوجستياً عملاقاً تديره الحسابات أكثر مما تديره المشاعر.

 

ملامح أميركا الترامبية

 

 

هنا لا يبدو دونالد ترامب مجرد رئيس تزامن عهده مع البطولة. بل يبدو التعبير السياسي الأكثر وضوحاً عن روح المرحلة. فمونديال 2026 يحمل كثيراً من ملامح أميركا الترامبية: الحدود قبل الجسور، السوق قبل المدرجات، والصفقة قبل الفكرة. حتى اللعبة التي وُلدت في الشوارع الفقيرة وأحياء العمال تبدو وكأنها مطالبة بدفع ثمن الدخول إلى عالم الأثرياء.

 

لكن أسوأ ما حدث لهذا المونديال أنه جاء بعد الدوحة. ليس لأن قطر نظمت بطولة ناجحة فحسب، بل لأنها قدمت تصوراً مختلفاً لمعنى الاستضافة. هناك كانت البطولة محاولة لجعل العالم يقترب. أما هنا فتبدو أحياناً وكأنها محاولة لإدارة العالم وهو على مسافة آمنة. هناك كانت التجربة تقول للزائر: أنت ضيف. وهنا يبدو أنها تقول له: أنت ملف يجب التعامل معه.

 

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم في الأسابيع المقبلة من سيرفع الكأس في النهاية. فالكؤوس تجد دائماً من يحملها. أما السؤال الذي سيبقى بعد انطفاء الأضواء فهو ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تملك القدرة على إقناع العالم بالصورة التي بنت عليها جانباً كبيراً من نفوذها لعقود.

 

فالدول العظمى لا تُختبر فقط في الحروب أو الأزمات. أحياناً تُختبر في مهرجان كروي. وحين يحدث ذلك، لا تكشف البطولة مستوى كرة القدم فحسب، بل تكشف أيضاً مستوى الثقة التي تملكها الأمم بنفسها وبالعالم من حولها.

 

الأكثر قراءة

لبنان 6/10/2026 5:22:00 AM
من لا يزال حليف "حزب الله" في الساحة السياسيّة السنيّة؟
لبنان 6/10/2026 7:00:00 AM
صباح الخير من "النهار"...

إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الأربعاء 10 حزيران/ يونيو 2026
فن ومشاهير 6/8/2026 12:00:00 PM
تفاصيل مفاجئة حول إلقاء القبض على الإعلامية المصرية جولي أمين داخل إدارة المرور أثناء محاولتها نقل ملكية سيارة تابعة لصبري نخنوخ، وتطورات التحقيقات في القضية.