الصورة الكبيرة والعقول الباردة
في حرب لبنان، يُعدّد مناصرو حزب الله "الإنجازات" التي يحقّقها الحزب. يُسَرّون بخبر محلّقة انقضّت على موقع إسرائيلي وقتلت جنديّاً. ويُفرج أساريرهم إصرار إيران على أن يشمل وقف إطلاق النار جبهة لبنان، وتفرحُهم أخبار الوضع النفسي والمعنوي التَعِب لسكّان شمال إسرائيل.
خصومُ حزب الّله يعجبهم إصرار الحكومة الّلبنانيّة على إجراء مفاوضات مع إسرائيل في واشنطن وعدم تراجعها أمام ضغوط "الثنائي". وهُم يلومون حزب الله على ما يسمّونه "مغامرة توريط لبنان" في حروب عبثيّة متتالية كما يرونها.
في أيّام الحروب، يصعب علينا رؤية الصورة الكبيرة. تأخذنا مثلاً أخبار احتلال قلعة الشقيف، والتقدُّم نحو الزوطرين. يحبس أنفاسنا قصف الضاحية، إن حصلَ وإن لم يحصل. نتلهّى بالـ Micro-Scale أكثر ممّا ننتبه إلى الـ Macro-Scale في ما يجري حولنا. نغفل عن عدم دخول الحوثيّين، "حرّاس" باب المندب، الحرب وبقرار واعٍ وليس بالصدفة. قد لا ننتبه إلى أنّ مقتدى الصدر و"عصائب أهل الحق" – القريبة من الحشد الشعبي - في العراق باتا يعتبران أنّ المقاومة حاجة وليست مهنة. قد لا يخطر ببالنا أنّ تهدئة الحرب في الشرق الأوسط حاليّاً قد تكون مرتبطة بإنجاح بطولة كأس العالم في كرة القدم في الولايات المتّحدة فقط. وقد نكون نسينا أنّ غزو فنزويلا والسيطرة على قرار النفط فيها حدثا قبل ثلاثة أشهر فقط من اندلاع القتال في منطقتنا. لماذا؟ لأنّ الحدث اليومي يكتنفنا.
نعم تأخذنا أوضاعٌ لا تأثير لها كبيراً على المشهد العالمي.
المهم هو ما يُخطَّط له على الـ Macro-Scale. المهم هو ما يحدث وسيحدث للمنطقة وللعالم أجمع. ما زال الموضوع "يجرجر" منذ كلام كوندوليزا رايس في الـ 2006 حول "الشرق الأوسط الجديد". الأميركيّون يضعون رؤيا لمنطقة الشرق الأوسط. الرؤيا لا تتغيّر بسهولة. الـ Technique فقط يتعدّل. في بعض الأحيان يكون الـ Procedure عنيفاً، وأحياناً يشبه تصرّفهم حالة "اللّاحرب واللاسلم". هُم يعدّلون الآليّة فقط أمّا الصورة الكبيرة فلا. تفاجئهم إيران بإغلاق مضيق هرمز، "بيِلِبدوا" إلى أن يظهر لهم Technique جديد يساعدهم على التعاطي معه بطريقة أكثر فعاليّة.
الأميركيّون، وببساطة، يريدون السيطرة على الشرق الأوسط، بالمباشر وليس بالواسطة، والدليل هو طريقة تعاطي ترامب مع نتنياهو. لا يريدون لإسرائيل أن تكون أكثر من ولاية أميركيّة، ولا يرغبون في رؤيتها تؤثّر بشكل كبير على قرارات واشنطن، ولا في رؤية الجيش الإسرائيلي أكثر من فرقة قتاليّة في الجيش الأميركي. الأميركيّون يريدون كلّ قرار يتعلّق بالنووي والتسلّح والنفط في هذه المنطقة من العالم خاضعاً لسيطرتهم.
أنا لا أتكلّم هنا على الأحقّية، ولا أتحدّث في الأخلاقيّات. أنا أسرد رأيي في ما يتعلّق براهن المنطقة ومستقبلها.
لذا لا أرى نهاية قريبة لما جرى وسيجري. هل نستسلم إذاً؟ طبعاً لا. لكن شيئاً من الذكاء الطبيعي يقتضي بأن نفتّش عن الحلول الممكنة من ضمن الصورة الكبيرة، وأن تكون استراتيجيّتنا استراتيجيّة الـ Damage Control، وهذا واجب مزدوجٌ على الدولة وعلى الأطراف الّلبنانيّة. نُريد حلّاً يشبه الالتفاف حول الدولة من جهة، واستيعاب الواقع من قِبل الدولة من جهة ثانية. أيّ تأخير في فعل ذلك سيُراكِم الخراب وعدّاد الشهداء والانقسام. يتطلّب ذلك عقولاً باردة ورؤيا واسعة وتواضعاً.
نبض