الارتقاء من الدولة إِلى الوطن

كتاب النهار 05-06-2026 | 05:06
الارتقاء من الدولة إِلى الوطن
أَبناءُ "لبنان اللبناني" هم الْكانوا أَركان النهضة العربية في مصر وسواها، والنهضة الأَدبية في الأَميركتين: "الرابطة القلمية" في نيويورك (1920)، و"العصبة الأَندلسية" في ساو باولو (1933)
الارتقاء من الدولة إِلى الوطن
تعبيرية.
Smaller Bigger

مرارًا كرَّرتُ، في هذه الزاوية الأُسبوعية من "النهار"، كلامًا عن جوهرِ الفرق بين الدولة والوطن، وكيف الدولةُ الصالحةُ سُلْطتُها تَبني صورة زاهية للوطن، فيما السُلْطة الفاسدة تُوهِنُ الدولة وتُشَوِّه صورة الوطن. وأَراني دومًا أُكرِّرها حيال ما يجري في بلَدنا من تشوُّهات، بسبب سُلْطةِ تجار ورجال أَعمال وسياسيين شخصانيين يوظِّفون الدولة في صالح مصالحهم عوض أَن يكونوا هم خُدَّام مصالح الدولة.

هذه السُلْطة الفاسدة هي التي تُهَجِّر أَبناءَ أَجيالنا الجديدة فيهُجُّون. وإِنما من الدولة يهُجُّون لا من الوطن، حتى إِذا بلغوا الـ"هناك" واستقرُّوا فيه معيشةً وعملًا وأَمنًا وأَمانًا، راحوا يحنُّون إِلى "هُنا" الوطن لا الدولة، وليس إِلى "هذه" الدولة.

هَجُّوا؟ نعم هَجُّوا، هربًا ورفْضًا وقَرَفًا وكُفْرًا. ولا يُلامون. الدولة قد تكون فندقًا، كأَيِّ فندقٍ لا تُحسِن إِدارتُهُ تأْمينَ متطلبات نزلائه، فيغادرونه إِلى فندق آخر أَكثرَ مواءَمةً وملاءَمة. لكنَّ الوطن ليس فندقًا نغادره، لأَنه هو لا يُغادرنا، فنحمله فينا أَنَّى كنا، على أَرضه أَو لدى أَيِّ مَهَاجر في الدنيا، ويبقى فينا الحنين إِلى جوهر الوطن: أَهلنا فيه، حضارته، تاريخه، طبيعته، أَعلامه. وهذه جميعُها تُفْسدها الدولة فيهجُّ أَبناؤُنا منها كدولة فاسدة، ولا يهُجُّون من وطنهم الناصع.