عقد اجتماعي عربي جديد: الدولة والمواطنة والتنمية في عصر التحوّلات الكبرى
إذا كان القرن العشرون في العالم العربي انشغل إلى حدّ كبير بأسئلة التحرر الوطني وبناء الدولة والاستقلال السياسي، فأصابت حركات التحرر وأخطأت، ونتائجها نحصدها اليوم، فإن ذلك أصبح تاريخاً. أما القرن الحادي والعشرون فيفرض بما نحن فيه من حيرة وارتباك أسئلة مختلفة وأكثر تعقيداً ممّا سبق أن طرحته أجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية.
فالعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة في كل المجالات تقريباً، والاقتصاد العالمي يعاد تشكيله بشكل واسع، والذكاء الاصطناعي يدخل جميع مجالات الحياة، والتنافس الدولي أصبح قائماً على المعرفة والابتكار أكثر من اعتماده على الموارد التقليدية. ونحن - بشكل عام - في العالم العربي والشرق الأوسط نحارب حروب القرن حتى قبل الماضي، ونقسم أوطاننا طائفياً وعرقياً، ويجري هدم الأوطان التي بنيت في السابق ولم تبلغ الحلم، وتدور رحى صراعات عسكرية وإيديولوجية، معظمها ليس له علاقة بالعصر!
وفي خضم هذه التحولات يواجه العالم العربي سؤالاً مصيرياً: هل يستطيع بناء عقد اجتماعي جديد يتجاوز أزمات الماضي، من طائفية وعرقية ومذهبية ومناطقية، ويؤسس لعلاقة أكثر استقراراً بين الدولة والمجتمع؟
إن مفهوم العقد الاجتماعي ليس جديداً. فقد استخدمه فلاسفة السياسة منذ قرون لتفسير العلاقة بين السلطة والمجتمع، إلا أن مضمونه يتغير من عصر إلى آخر، تبعاً للتحديات التي تواجهها المجتمعات. وعلى الرغم من تبني مجتمعاتنا في الأغلب عقداً اجتماعياً سمّي "الدستور"، فإنه بقي تقريباً حبراً على ورق في معظم بلداننا، وتغلّبت الموروثات الاجتماعية على مفاهيم المواطنة والمساواة .
وفي الحالة العربية، يبدو أن الحاجة إلى تجديد العقد الاجتماعي من جديد أصبحت أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى. إلا أن الحديث حوله لا يزال خافتاً، وتحتل أجندة النقاش أمور الحروب والتفوق العرقي المزعوم، والتعصب الطائفي، وسرب من الخرافات؛ لذلك نحتاج إلى صياغة مفاهيم جديدة، ووضعها على أجندة النقاش الجاد، وأهمها ما يأتي:
أولاً: من دولة الحماية إلى دولة التمكين
في مراحل سابقة، كان المواطن ينظر إلى الدولة بوصفها الجهة التي توفر الأمن والخدمات الأساسية. ولا تزال هذه الوظائف ضرورية بالطبع، لكنها لم تعد كافية وحدها. فالدولة الحديثة مطالبة اليوم بتمكين مواطنيها من المنافسة في عالم شديد التعقيد. وهي مطالبة بتوفير تعليم متقدّم ونوعيّ، وبيئة اقتصادية محفّزة وتنافسية، ومؤسسات قادرة على مواكبة التطور التكنولوجي، وقوانين حديثة.
من هنا، فإن نجاح الدولة في المستقبل لن يقاس فقط بقدرتها على الحماية، بل أيضاً بقدرتها على تمكين الإنسان.
ثانياً: المواطنة أساس الشرعية الحديثة
تكشف التجارب الدولية أن المجتمعات الأكثر استقراراً هي تلك التي يشعر مواطنوها بأنهم شركاء حقيقيون في الوطن، لا مواطنين بدرجات مختلفة أو طبقات اجتماعية ذات امتيازات.
ولا يتحقق هذا الشعور من خلال الخطابات فقط، بل من خلال الممارسة اليومية للعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. فالمواطن لا يقيس قيمة مواطَنته بما يقال له، بل بما يراه من ممارسات في حياته اليومية. وعندما يقتنع المواطن بأن القانون يحميه وأن مستقبله يعتمد على جهده، لا على صدفة ميلاده، تتعزز الثقة بالمواطنة.
ثالثاً: تجاوز الانقسامات القديمة
لقد استنزفت الصراعات الهوياتية والطائفية والقبلية جزءاً كبيراً من طاقات المنطقة العربية خلال العقود الماضية. لا يعني ذلك تجاهل الخصوصيات أو إلغاء التنوع، بل وضعهما في إطارهما الطبيعي بوصفهما من عناصر الثقافة لا من أدوات الصراع الاجتماعي. القرن الجديد يفرض تحديات أكبر من أن تواجهها جماعة بذاتها أو طائفة بمفردها أو حتى منطقة بمفردها. النجاح يحتاج إلى تعبئة مجتمع وإقليم وربما أكثر.
رابعاً: المعرفة بوصفها أساس القوة الجديدة
في الماضي كانت القوة تقاس بعدد السكان أو حجم الأراضي أو الثروات الطبيعية، أما اليوم فإن الدول الأكثر تأثيراً هي الدول الأكثر قدرة على إنتاج المعرفة. لذلك، فإن الجامعات ومراكز البحث، والعقول المفكّرة، والمختبرات أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الوطني، فالمجتمع الذي يملك المعرفة يصبح أكثر قدرة على حماية استقلاله.
خامساً: الخليج العربي كنموذج محتمل
تمتلك دول الخليج فرصة تاريخية نادرة؛ فهي تملك موارد للطاقة، وبنية تحتية متطوّرة، ومستوى تعليم يتقدّم تدريجاً، والأهمّ أنها محتفظة بنخبها، مع قدرات متزايدة في مجالات التقنية و الاستثمار. لكن النجاح الحقيقي هو بناء الإنسان القادر على حماية المستقبل بعد مرحلة النفط، وهذا يقود إلى بناء منظومة "وحدوية" متكاملة لأنها الضمانة للاستدامة.
سادساً: من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل
من السمات البارزة في كثير من النقاشات العربية أنها تنشغل بإدارة الأزمات أكثر من انشغالها بصناعة المستقبل؛ فالجدل حول الماضي يستهلك الطاقات ويفرق الجماعات. لا يعني ذلك تجاهل التاريخ، بل وضعه في حجمه الطبيعي.
فالأمم لا تستطيع تغيير ما حدث بالأمس، لكنها تستطيع أن تقرّر ما ستفعله غداً.
...سابعاً، العقد الاجتماعي الجديد يمكن تلخيصه في: دولة قوية بالقانون لا بالأشخاص، مواطنة متساوية، تعليم حديث قائم على التفكير والمعرفة، اقتصاد منتج إعلام مسؤول، احترام التنوع؛ ذلك ليس شعارات بل شروط عملية أثبتت التجارب الدولية نجاحها.
السؤال الحائر أمامنا ليس كيف نختلف، ولكن كيف نتعاون رغم الاختلاف لبناء مستقبل لهذا الإقليم؟
نبض