موسكو وكابول... تحالف الضرورة لا الذاكرة
وكأنك يا أبا زيد ما غَزَيْت! فما ترفضه جماعة اليوم قد تقبل به غداً، ما دام الأمر يتعلق بمصيرها ومستقبل نفوذها وهيمنتها. وهذا ما نشهده في الحالة الأفغانية؛ فحركة "طالبان"، التي حاربت حكومة نجيب الله المدعومة من الاتحاد السوفياتي وحكمت أفغانستان بين عامي 1987 و1992، تعمل اليوم على تعزيز علاقاتها بروسيا بهدف ضمان استمرارها وبقائها في السلطة، في ظل الأزمات الداخلية والخارجية التي تعصف بها منذ عودتها إلى حكم كابول، تزامناً مع انسحاب القوات الأميركية من الأراضي الأفغانية في آب/أغسطس 2021.
ويأتي هذا التطور في المعادلات السياسية والعلاقات الإقليمية، وما يعكسه من تناقض في مواقف "طالبان" حيال روسيا، في وقتٍ عانتْ فيه منطقتنا العربية لسنوات طوال، ولا تزال، من تداعيات ظاهرة "المجاهدين" التي وظفتها الاستخبارات الأميركية والغربية لمحاصرة الحكومات الاشتراكية والقومية ضمن ما عُرفت بخطة "الحزام الأخضر"، القائمة على تمكين الإسلاميين من الوصول إلى السلطة لإيجاد بيئاتٍ سياسية هشة تخدم مصالح الرأسمالية الغربية.
وفي الوقت الذي لا نزال نكتوي فيه بنار الجماعات الجهادية منذ أن أشعل فتيلها الملا محمد عمر، قائد المجاهدين الأفغان ومؤسس إمارة "طالبان"، يبرز اليوم نجله الأكبر، الملا محمد يعقوب مجاهد، أحد نائبي أمير حركة "طالبان" الحالي، هبة الله آخُند زاده ووزير الدفاع في حكومتها، ليوقع اتفاقية تعاون عسكري وتقني مع موسكو، التي أصبحت أول دولة تعترف رسمياً بحكومة "طالبان" في تموز/يوليو 2025.
مزحة ثقيلة... ما خلفياتها؟
سيكون الأمر مزحةً ثقيلةً إذا ذهب المجاهدون للقتال إلى جانب روسيا ضد أوكرانيا باسم محاربة الهيمنة الغربية! لكن، واقعياً، فإن المعادلة تمضي وفق مصلحة روسيا وسط تشكل نظام أمني جديد؛ وعودتها إلى أفغانستان تمثل فرصةً لإصلاح أخطاء الماضي في ظل غياب القوات الغربية وخسارة الأميركيين قاعدة "باغرام" الجوية، مفتاح السيطرة على أفغانستان، التي أسسها الاتحاد السوفياتي عام 1950. فموسكو تخطط للعودة إليها، بينما فشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في استعادتها من "طالبان"، رغم صرخاته وتهديداته.
وإن كانت بنود التعاون العسكري بين الجانبين لم تُعلن بعد، فإن الاتفاقية تأتي في أعقاب تحذيراتٍ روسية متكررة من تنامي نشاط التنظيمات الإرهابية المسلحة داخل أفغانستان، وفي مقدمها تنظيم "داعش-خراسان"، المتهم بتنفيذ هجمات إرهابية استهدفت روسيا ومناطق نفوذها في آسيا الوسطى. بل أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اتهم الغرب صراحةً بتوظيف هذه التنظيمات لخدمة مصالحه الاستراتيجية. ومن ثم، فإن هذه الاتفاقية لا تمنح "طالبان" فرصة لكسر عزلتها الدولية فحسب، بل توفر لموسكو أيضاً أداةً لمواجهة التنظيمات المتطرفة في عقر دارها. فقيام روسيا بتدريب عناصر "طالبان" على مكافحة الإرهاب يعني، في أحد أبعاده السياسية، أن موسكو باتت تستعين بأعداء الأمس من الجهاديين لمواجهة أعداء اليوم من نظرائهم!
معادلة العلاقات الأفغانية - الباكستانية
وحتى إن قدمت روسيا إسناداً عسكرياً لحكومة "طالبان"، عبر تزويدها منظومات دفاع جوي لتعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات التي تشنها باكستان، المتضررة من الدعم الذي تقدمه الحركة الأفغانية إلى نظيرتها "طالبان باكستان" على امتداد الحدود المشتركة، فإن ذلك لا يتعارض بالضرورة مع الحياد النسبي الذي تحاول موسكو الحفاظ عليه، بل قد يعزز دورها كوسيطٍ بين كابول وإسلام آباد، ويقوي موقعها في معادلة العلاقات الأفغانية - الباكستانية. والأهم من ذلك أن دعم حكومة "طالبان" التي حاربتها روسيا بالأمس، بات اليوم يخدم أحد أهم أهدافها الاستراتيجية؛ إذ إن استقرار أفغانستان يمثل سداً أمام انتقال الفوضى والتطرف إلى دول آسيا الوسطى، التي تشكل الخاصرة الأمنية الجنوبية لروسيا.
نبض