الحرب بدأت بقرار أميركي وتنتهي بقرار خليجي

كتاب النهار 25-05-2026 | 05:17

الحرب بدأت بقرار أميركي وتنتهي بقرار خليجي

ثمانية وثلاثون يوماً من القصف التدميري، جولة تفاوض مباشر في إسلام آباد، خمسة وأربعون يوماً من التفاوض الصعب غير المباشر... وأخيراً هناك اتفاق مرحلي جزئي على "مذكرة تفاهم"، يمكن وصفه أيضاً بأنه قسري.
الحرب بدأت بقرار أميركي وتنتهي بقرار خليجي
ترامب وشي
Smaller Bigger

بضع ساعات فقط فصلت بين قول دونالد ترامب، في السابع من نيسان/أبريل الماضي، إن "حضارة كاملة ستُمحى الليلة"، وإعلانه أول وقفٍ لإطلاق النار في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ثم تمديده أكثر من مرّة مرفقاً بتهديدات مماثلة، لكن من دون تكرار "محو الحضارة" الذي أثار انتقادات غير مسبوقة، إذ فُهم في حينه بأنه تهديدٌ باستخدام السلاح النووي. وقبل ساعات من انتشار الأنباء عن قرب التوصّل إلى اتفاق على تمديد جديد لوقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، كان ترامب يقول إن "الاحتمالات متساوية، فإما اتفاق أو تدميرهم تدميراً كاملاً". 


مذكرة تفاهم!

 

ثمانية وثلاثون يوماً من القصف التدميري، جولة تفاوض مباشر في إسلام آباد، خمسة وأربعون يوماً من التفاوض الصعب غير المباشر... وأخيراً هناك اتفاق مرحلي جزئي على "مذكرة تفاهم"، يمكن وصفه أيضاً بأنه قسري، إذ إن المواقف المعلنة للطرفين الأميركي والإيراني كانت رافضة دائماً مثل هذا الاتفاق. فواشنطن لم تكن تتوقع أقل من "استسلام" الطرف الآخر وطهران أصرّت على "إنهاء الحرب مع ضمانات بعدم معاودتها". لم يكن لأي منهما أن يحصل على ما يريده، بل وجب أن ينزل شيئاً فشيئاً عن الشجرة. ذهب ترامب إلى بكين وغادرها بـ"مشاعر متساوية"، فمن جهة تهدئة في الخلافات التجارية، ومن جهة أخرى إحجامٌ عن المساعدة بالنسبة إلى إيران ما دامت حال الحرب قائمة. 


الصين وروسيا

وبعد أيام التقى الرئيسان شي جينبينغ وفلاديمير بوتين في بكين، وكان هناك تطابق في موقفيهما: دع ترامب يتخبّط في الفخّ الذي نصبه لنفسه، ولا داعي لعرض أي مبادرة لإنقاذه. استذكر الزعيمان الصيني والروسي أنه كلما وقعت أميركا في مأزق حصّلا مكاسب. حصل ذلك، بدءاً من عام 2003، عندما تورّط جورج دبليو بوش في العراق، وأظهرت الوقائع أن إيران - وليس العراق - كانت الرابح الوحيد من تلك المغامرة الأميركية... لكن ترامب العائد من بكين سارع إلى إشعال محركات استئناف الحرب من حيث توقفت، فهناك إغراء كبير بأن يقدم على حملة تدمير واسعة للجسور ومحطات الطاقة ومنشآتها، ليرى بعدئذ كيف ستكون حال إيران ومفاوضيها.


كان الإثنين (18/05) كأنه يومٌ آخر في الأزمة المراوحة مكانها: وقف النار مستمر، مقترح أميركي مقابل مقترح إيراني، إسلام آباد مواظبة على دور الوسيط. لكن، عشية ذلك اليوم كانت مسيّرات آتية من العراق تهاجم محطة "براكة" النووية في منطقة الظفرة في الإمارات وتتسبب بحريق، ومسيّرات أخرى تهاجم السعودية والكويت وقطر والبحرين. وبالتزامن كانت إسرائيل تعلن استكمال استعداداتها لأن الحرب عائدة، وكانت التسريبات من واشنطن وكذلك التحذيرات من طهران تشير إلى تصعيد وشيك. فجأة، أعلن ترامب "بطلب من السعودية وقطر والإمارات" إرجاء ضربات كانت مبرمجة ضد إيران، وأشار أيضاً إلى أطراف أخرى لا بدّ أنها مصر وتركيا وباكستان. طلبت الدول الخليجية الثلاث "إعطاء المفاوضات فرصة" لأن مرحلة إضافية من الحرب لن تؤذي إيران وحدها بل من شأنها أن تزيد الأزمة تعقيداً، فليس مؤكداً أنها ستحقق لواشنطن أهدافها، حتى لو كانت لدى بنيامين نتنياهو تقويمات مختلفة، لكن الأكيد أن الهجمات الإيرانية المتهوّرة ستحدث أضراراً جسيمة في دول الخليج وستضطرها للردّ وبالتالي للتورط في حرب لم تردها.


"الفرصة" التي أعطيت للمفاوضات أخذت أيضاً بما كانت المساعي الباكستانية قد توصّلت إليه، وهو أن طرفي الحرب يحتاجان إلى "اتفاق" لكن شروطهما متعارضة إلى حد يستحيل معه التوصّل إلا إلى اتفاق أولي يمكن أن يكون "إعلان نيات" أو "إعلان مبادئ" أو "مذكرة تفاهم"، أي إلى مقاربة معدّلة لكن مبنية على فكرة "إنهاء الحرب". لا بدّ أن الطرفين وافقا على الفكرة وإلا لما كانت هذه الورشة الباكستانية التي استَحثّت إلى طهران وزير الداخلية (محسن نقوي) ثم قائد الجيش (عاصم منير) ورئيس الاستخبارات (عاصم مالك)، بل تضمّنت هذه المرّة اجتماعاً حاسماً بين عاصم منير وقائد "الحرس الثوري" أحمد وحيدي الذي يعتبر الأكثر تشدداً ويبدو حالياً كأنه ممثل المرشد في صنع القرار... وفي الأثناء قصد رئيس الوزراء شهباز شريف الصين لطلب مساهمتها في تحصين اتفاق إنهاء الحرب. 


التمديد الجديد لوقف إطلاق النار يكفي ويزيد لتمرير مونديال كرة القدم، بمشاركة فريقي الولايات المتحدة وإيران، ويُفترض أن يشمل لبنان لكن إسرائيل ستبقى محتفظة بحرّية التحرك ضد "حزب إيران". غير أن الحدث الذي يريده العالم بكثير من الترقّب هو فتح مضيق هرمز، فهل يكون من دون قيود أو رسوم إيرانية؟ ومع تأجيل البحث في الملف النووي تسجل طهران نقطة لمصلحتها. واقعياً، بدأت الحرب في 28 شباط/فبراير بقرار أميركي - إسرائيلي، لكنها تنتهي بطلب خليجي وإقليمي. ثمة مصلحة لترامب في الاعتماد أكثر على الدول الثماني العربية والإسلامية إذا كان ينشد السلام حقاً.  

      

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...