محور بكين ـ إسلام آباد... جهود الضامن والوسيط
السياسة غير المستقرة التي تمارسها الإدارة الأميركية الحالية تضررَ منها الحلفاء قبل الخصوم، مثل الهند التي يواجه اقتصادها أزمة عدم استقرار منذ حرب الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب، وصولاً إلى حربه على إيران، ما دفع نيودلهي إلى الصدام مع حقائق الواقع؛ إذ أدى عدم استقرار أمن الطاقة إلى هروب المستثمرين، وتراجع العملة الوطنية، وغلاء المعيشة، واختلال معادلة التفوق أمام خصميها الصين وباكستان.
ويمثل هذا جانباً من تفسير الدور الباكستاني في الوساطة لاستعادة الاستقرار إلى المنطقة؛ فـإسلام آباد التي لطالما مارست دور المقاول الأمني من أجل الحفاظ على دور إقليمي يحقق لها التوازن أمام خصمها الهندي، لا تتردد في التواصل مع إيران وباقي أطراف الإقليم، رغم حساسية علاقاتها بدول الخليج. لكنها قادرة على إدارة تحركاتها بذكاء، مثلما تدير علاقاتها بالخصمين الصين والولايات المتحدة.
كما أن منطقة الخليج تقع في مرمى التنافس مع جارتها الهندية، وشراكاتها الدفاعية هناك تجعل استقرار المنطقة أولوية لها، إذ تسعى إلى المكاسب من اتفاقاتها لا الخسائر؛ فاندلاع حرب جديدة وتورط باكستان فيها قد ينسفان معادلات التوازن والعلاقات في المنطقة.
كذلك فإن جهودها هذه فرصةٌ لتغيير الصورة النمطية التي انطبعت عنها في ما خص أفغانستان والإرهاب، والخروج تدريجاً من عباءة أدوارها السابقة؛ برفعها مستوى مشاركتها في النظام الدولي، وتقديم نفسها دولةً محوريةً في المنطقة، بخاصةً أنها تواجه صعوبات جمة في بلوغ المستوى الاقتصادي لنيودلهي.
ديبلوماسية مسلحة
بعد إعلان الرئيس الأميركي تأجيل الهجوم العسكري على إيران، دخلت المنطقة في ديبلوماسية مسلحة، تمثلت في زيارات متكررة من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير لطهران من أجل الوساطة. وإن كانت هناك حالة من التفاؤل قد سادت الأوساط الإعلامية بشأن إمكان التوصل إلى اتفاق قبل انتهاء مهلة الـ30 يوماً التي أعلنها ترامب، وإلا سيتم استئناف الحرب، لكن واقعياً، فإن توافد الوسطاء على باب طهران أكثر من واشنطن يعني أن الرهان قائم على خلق مرونة وتعديل في مواقف طهران ومطالبها، لتسهيل التوصل إلى اتفاق، ولو موقت، ينزع فتيل الحرب. فالاستعدادات لمواجهة عسكرية جديدة، بالتزامن مع المفاوضات، تعني أن هناك احتمالاً أكبر لتجدد الصراع المسلح، وأن التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي في ظل الظروف الراهنة أمر بعيد المنال؛ إلا أن التوصل إلى اتفاق مبدئي ليس مستبعداً.
باكستان رأس محور
تفرض الجغرافيا على باكستان دور الوساطة وأهميتها لحماية تجارتها واقتصادها، فهي تطل على المحيط الهندي وتقع على مقربة من الخليج العربي ومضيق هرمز، وبالتالي فهي تدرك أن انهيار الأمن يعني انهيار بقية أركان مثلثها: الاقتصاد والدور السياسي.
لكن أيضاً لا يمكن فصل باكستان عن محور الصين في إطار لعبتها المزدوجة، ضمن التوازن بين علاقاتها بالولايات المتحدة والدول العربية من جهة، وعلاقاتها بإيران والصين واعتبارات الحدود والأمن من جهة أخرى. فنجاحها يُعد انتصاراً للمحور الصيني، مثلما نشطت حركة تصديرها للأسلحة إلى منطقة الخليج والدول العربية، التي أساسها الشراكة العسكرية مع الصين.
كذلك، فإن غياب الثقة بين إيران وأميركا، والخلاف بشأن قضايا كبرى مثل تخصيب اليورانيوم، يستدعي دخول وسيطٍ ضامن أكبر مثل الصين، تكراراً لتجربة وساطتها بين إيران والسعودية، وهو ما أكدته الخارجية الباكستانية بإعلانها مبادرة مشتركة بين إسلام آباد وبكين لدفع مسار التسوية بين واشنطن وطهران.
كما أن هذا المحور، إلى جانب إيران، لديه نقطة مشتركة تتعلق بأن امتداد الصراع يمثل فرصةً لتعاظم الدور الغربي في آسيا، وهي مسألة تدفع الجميع إلى أولوية إيقاف عجلة الحرب قبل حتى التوصل إلى اتفاق نهائي.
نبض