.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لقد تصرف كثيرون وكأن مجرد التسريب يكفي لإسقاط ترامب. لكن السياسة الأميركية، خصوصاً في عصر الاستقطاب الحاد، لا تعمل بهذه البساطة؛ فكل تجاوز قانوني أو مؤسسي ضد الخصم يمكن أن يتحول إلى سلاح بيده لاحقاً، وهذا ما حدث بالفعل.
في السياسة، كما في الحروب، ليست كل القضايا تُحسم بالحقيقة وحدها؛ أحياناً تُهزم الحقيقة نفسها بسبب سوء الإدارة، والتسرع، والرغبة الجامحة في الانتصار الإعلامي السريع. وهذا بالضبط ما حدث، على ما يبدو، في واحدة من أكثر القضايا حساسية التي لاحقت دونالد ترامب وعائلته خلال السنوات الأخيرة، ملفه الضريبي.
القصة بدأت أصلاً من واقعة خطيرة بالفعل. فقد جرى تسريب الإقرارات الضريبية الخاصة بترامب إلى وسائل إعلام أميركية، وهو ما كشف معلومات محرجة عن حجم الضرائب التي دفعها، وأساليب التخفيض الضريبي التي استخدمها، والخسائر المالية التي سجلها على مدى سنوات. بالنسبة للديموقراطيين وخصوم ترامب، بدا الأمر وقتها وكأنه "الضربة القاضية" التي ستثبت للرأي العام أن الرجل الذي يقدم نفسه باعتباره رجل أعمال عبقرياً، يخفي وراء الصورة المعلنة شبكة معقدة من المناورات المالية والضريبية.
لكن المشكلة لم تكن في ما كشفته الوثائق وحسب، بل في الطريقة التي خرجت بها. فالتسريب نفسه كان غير قانوني، وقام به متعاقد سابق مع مصلحة الضرائب الأميركية. ومع مرور الوقت، تحول التركيز تدريجياً من مضمون الإقرارات الضريبية إلى سؤال آخر أكثر خطورة، كيف سمحت الدولة الأميركية بتسريب بيانات ضريبية سرية بهذا الحجم؟ ومن الذي استخدم أجهزة الدولة في تصفية الحسابات السياسية؟
بدلًا من أن تبقى القضية قضية فساد مالي أو تلاعب ضريبي محتمل، تحولت تدريجاً إلى قضية "استهداف سياسي" يمكن لترامب أن يوظفها لصالحه. وبسبب حالة الهوس الإعلامي والسياسي بترامب طوال سنوات، بدا أن خصومه لم يستطيعوا مقاومة إغراء التسريبات والتصريحات والانفعالات الإعلامية. كثيرون تصرفوا وكأن الإدانة قد وقعت بالفعل، قبل أن تُستكمل الإجراءات القانونية والمؤسسية بشكل منضبط.
وهنا وقع الخطأ القاتل.
ترامب، الذي يجيد دائماً تحويل الهجوم إلى فرصة، أعاد صياغة الرواية بالكامل. لم يعد هو رجل الأعمال المتهم بإخفاء حقائق مالية، بل أصبح، في روايته ورواية أنصاره، ضحية “تسليح المؤسسات" واستخدام الدولة العميقة ضده. ومع الوقت، اكتسب هذا الخطاب قوة أكبر داخل القاعدة الجمهورية، خصوصاً مع تراكم التحقيقات والقضايا التي لاحقته منذ خروجه من البيت الأبيض وحتى عودته إليه... ثم جاءت التسوية الأخيرة لتكشف حجم التحول.
فبدلاً من أن ينتهي الملف بإدانة سياسية أو مالية لترامب، انتهى باتفاق مع وزارة العدل الأميركية يقضي بإغلاق الملاحقات والتدقيقات الضريبية المتعلقة بترامب وعائلته وشركاته بصورة شبه نهائية، مع تقديم اعتذار رسمي، وإنشاء صندوق تعويضات ضخم تحت عنوان "مكافحة تسييس مؤسسات الدولة"، مقابل إسقاط الدعوى القضائية التي رفعها ترامب ضد مصلحة الضرائب بقيمة 10مليارات دولار .