بعد أول 100 عام... هل نحتاج إلى دستور؟

كتاب النهار 22-05-2026 | 06:06

بعد أول 100 عام... هل نحتاج إلى دستور؟

في مئوية الدستور اللبناني، يطرح السؤال حول الحاجة إلى دستور في لبنان، حيث يُعتبر الدستور موجودًا نصيًا ولكنه غائب عن الممارسة.

بعد أول 100 عام... هل نحتاج إلى دستور؟
الدستور اللبناني.
Smaller Bigger

في مئوية الدستور اللبناني، يبدو هذا السؤال غريباً للوهلة الأولى: أنحتاج فعلياً إلى دستور؟ كأن قرناً كاملاً ما كفانا لتثبيت الجواب. فالدول لا تُسأل عادة إن كانت تحتاج إلى دستور، كما لا يُسأل الإنسان إن كان يحتاج إلى ذاكرة أو ضمير أو سقف يأويه. مع ذلك، في الحالة اللبنانية، يصبح السؤال مشروعاً ومؤلماً في آن واحد. فالدستور موجود في النص، غائب كثيراً عن الممارسة؛ حاضرٌ في الاحتفالات والخطب، وغائب عند الامتحانات الكبرى.

 

"1926 – 2026 دستور لبنان: 100 عام"... ملفّ خاص من "النهار"
منذ ولادته في زمن الانتداب، ظلّ الدستور مرآة لتحوّلات لبنان: الاستقلال، الطائف، الحروب، التسويات، والانقسامات التي أعادت طرح السؤال نفسه في كل مرحلة: أي لبنان نريد؟

 

 

ليس الدستور، في أبسط معانيه، كتاباً قانونياً محفوظاً في أدراج الدولة، ولا وثيقة بروتوكولية تُستحضر في المناسبات. هذا عقد "حيّ" يحدد كيف تعيش الجماعة السياسية معاً. من يحكم؟ كيف يحكم؟ ما حدود السلطة؟ ما حقوق المواطن؟ وكيف تُحل الخلافات حين تتصادم المصالح والأفكار والهويات؟ لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى دستور؟ بل هل نريد دولة تحتكم إلى دستور؟ أم سلطة تبحث في كل أزمة عن تسوية فوق الدستور؟

 

لبنان، منذ تأسيسه الحديث، عاش هذه المفارقة. لديه دستور مبكر نسبياً في المشرق العربي، صدر في 1926، وتحوّل إلى أحد أهم رموز الكيان اللبناني. لكن هذا الدستور لم يعش دائماً بصفته مرجعاً نهائياً، بل غالباً كإطار قابل للتجاوز عند أول أزمة. كلما اشتد الخلاف، لم يُسأل النص عمّا يقول، بل سُئلت موازين القوى عمّا تسمح به. وكلما تعطل النظام، لم يكن الحل غالباً في العودة الهادئة إلى المؤسسات، بل في اختراع مخارج سياسية استثنائية: تسويات، أعراف، صفقات، مؤتمرات خارجية، أو تفاهمات فوقية.

 

هنا تكمن الأزمة: لبنان لا يعاني من نقص في النصوص، بل من فائض في الالتفاف عليها. المشكلة ليست أن الدستور لا يقول شيئاً، بل أن القوى السياسية كثيراً ما تتعامل معه كاقتراح لا كإلزام. يُقرأ حين يخدم المصلحة، ويُنسى حين يعرقلها. يُستدعى لتبرير موقف، لا لتنظيم حياة عامة. وبذلك، يتحول الدستور من حكم بين اللبنانيين إلى مادة في النزاع بينهم.

 

لكن، هل يعني ذلك أن الدستور نافلٌ؟ على العكس تماماً. تصبح الحاجة إليه أكبر كلما ضعفت الثقة بين الناس. فالدستور ليس ترفاً للدول المستقرة فقط، بل ضرورة للدول المنقسمة تحديداً. في المجتمعات المتجانسة، قد تساعد العادات السياسية على ضبط الخلاف. أما في بلد مثل لبنان، حيث الطوائف، والهويات، والذاكرات المتصارعة، والمخاوف المتبادلة، فلا يمكن للعيش المشترك أن يُترك للنوايا الحسنة وحدها. النوايا تتبدل، والزعماء يتغيرون، والتحالفات تنقلب. وحده الدستور يستطيع أن يقول للجميع: هذه هي القواعد، وهذه هي الحدود، وهذه هي الطريقة التي تمنع الخلاف من أن يتحول إلى انهيار.

 

لذلك، خطأ تصوير الدستور قيداً على السياسة. إنه في الحقيقة ما يجعل السياسة ممكنة. من دونه، تصبح السياسة غلبة. يصبح الأقوى قادراً على تعطيل ما لا يعجبه، والأضعف باحثاً عن حماية خارج المؤسسات. حين يغيب الدستور، لا تزدهر الحرية، بل تزدهر الفوضى المقنّعة. وحين تُهمل القواعد، لا ينتصر الشعب، بل تنتصر شبكات النفوذ.

 

في لبنان، يُقال كثيراً إن المشكلة في "التركيبة"، أو في "الطائفية:، أو في “الخارج”. وكل ذلك صحيح جزئياً. لكن جزءاً أساسياً من المشكلة يكمن في أن الدستور لم يتحول إلى ثقافة سياسية يومية. لم يصبح مرجعاً يحترمه المنتصر قبل الخاسر، والأكثرية قبل الأقلية، والحاكم قبل المواطن. لا قيمة لدستور يُدرّس في الجامعات ولا يُطبّق في مجلس النواب. ولا معنى لدستور يحدد المهل، ثم تصبح المهل وجهة نظر. ولا هيبة لدستور ينص على فصل السلطات، فيما السلطات تتداخل وتتعطل وتتبادل الشلل.

 

في مئوية الدستور اللبناني، لا نحتاج إلى مديح النص بقدر ما نحتاج إلى مساءلة العلاقة معه. فالمشكلة ليست في أن لبنان بلا دستور، بل في أنه يعيش أحياناً كأنه بلا دستور: رئاسة تُفرغ بحجج واهية، وحكومات تُعلّق بخجج الميثاقية، ومجالس تُمدّد لنفسها، ومؤسسات تُشل، واستحقاقات تُدار بمنطق الانتظار لا بمنطق الالتزام. وما من دستور في العالم يستطيع أن يحمي دولة إذا كانت القوى التي يفترض أن تحميه هي أول من يساوم عليه.

 

مع ذلك، اليأس الدستوري ممنوع. البديل عن الدستور ليس نظاماً أكثر عدالة، بل فراغ أكثر خطورة. من دون دستور، تصبح الدولة مجموعة تفاهمات مؤقتة بين قوى غير متساوية. ومن دون مرجعية دستورية، يصبح المواطن تابعاً لا صاحب حق. ومن دون قواعد واضحة، تتحول الطوائف إلى جزر دفاعية، وتتحول السياسة إلى إدارة خوف دائم.

 

نعم، نحتاج إلى دستور. لكننا نحتاج، أكثر من ذلك، إلى أن نكف عن التعامل معه كوثيقة صامتة. نحتاج إلى دستور "حيّ" يرزق، لا بمعنى تعديله كلما تعثرت السياسة، بل بمعنى احترامه كلما اشتدت الأزمة. نحتاج إلى أن يصبح الدستور فوق الأشخاص، لا أداة في أيديهم. نحتاج إلى أن يعرف المواطن أن حقه لا يأتي من زعيم، بل من نص أعلى من الزعيم. وأن تعرف السلطة أن شرعيتها لا تأتي من قدرتها على التعطيل، بل من خضوعها للقانون.

 

بعد مئة عام، هل نحن مستعدون لأن نعيش كأن لدينا دستوراً؟ فالدساتير لا تموت حين تُخرق مرة واحدة، بل حين يعتاد الناس خرقها. ولا تولد الدول من النصوص وحدها، بل من الإيمان بأن النص يمكن أن يكون أقوى من الغلبة، وأن القانون يمكن أن يكون أعلى من الخوف، وأن الوطن لا يُبنى بالتسويات العابرة، بل بقواعد عادلة يحتمي بها الجميع.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال 5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
لبنان 5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
لبنان 5/21/2026 8:26:00 AM
يجد الضباط صعوبة في تحديد الاستراتيجية التي تتبعها القيادات العليا