.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تعكس الأزمة الجارية تحول الشرق الأوسط إلى ساحة لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية والإقليمية، في ظل تراجع فعالية أنماط الردع التقليدية، وتزايد أهمية التحكم في الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والطاقة.
رسخت الحرب الإيرانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية، وتداعياتها، وما ارتبط بها من تصعيد عسكري متبادل وتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، القناعة بأن الصراع الدائر لم يعد متعلقاً فقط بإعادة ضبط ميزان الردع بين الأطراف المنخرطة فيه، بل أصبح اختباراً لطبيعة النظام الإقليمي ذاته، ولقدرته على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في ظلّ تصاعد التنافس على النفوذ والطاقة والممرات البحرية.
وبرزت أهمية هذا البعد بصورة خاصة مع عودة التهديد باستخدام الممرات الاستراتيجية كورقة ضغط متبادل، سواء عبر التلويح بإغلاق مضيق هرمز، أو من خلال اضطراب الملاحة في البحر الأحمر نتيجة الحرب على غزة وعمليات الحوثيين ضد السفن التجارية. وفي الحالتين، بدا واضحاً أن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية اقتصادية أو تجارية فحسب، بل أصبح عنصراً رئيسياً في معادلات الردع وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية؛ فمضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً لتدفقات الطاقة العالمية، وأي تهديد لاستقراره ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الدولي وأسواق النفط.
في المقابل، كشفت أزمة البحر الأحمر عن الأهمية الموازية لقناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، خاصة بعد تراجع معدلات العبور وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة التصعيد الإقليمي. لكن الفارق الجوهري في الحالتين يتعلق بطبيعة إدارة الأزمة؛ ففي حين جرى توظيف هرمز ضمن معادلة الضغط والردع المتبادل، تعاملت مصر مع تداعيات أزمة البحر الأحمر بمنطق "إدارة الاستقرار"، عبر مقاربة جمعت بين الحفاظ على أمن الملاحة، واستمرار عمل قناة السويس بكفاءة، والانخراط السياسي والديبلوماسي لمنع اتساع نطاق المواجهة.
وتكشف هذه المقارنة عن بعد استراتيجي بالغ الأهمية، يتمثل في أن مصر تنظر إلى أمن الممرات البحرية باعتباره جزءاً من مفهوم شامل للأمن الإقليمي، وليس مجرد أداة للصراع أو الضغط السياسي. فمنذ بداية الأزمة، أدركت القاهرة أن تهديد خطوط التجارة والطاقة الدولية يفتح المجال أمام إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بصورة قد تؤدي إلى تصاعد الوجود العسكري الخارجي، وتراجع قدرة القوى الإقليمية العربية على إدارة توازناتها الذاتية.