مرشحان لرئاسة "فتح" والسلطة الفلسطينية
في 14 أيار / مايو الجاري أطلقت حركة "فتح" جمعيتها العامة الثامنة التي ستنتهي بانتخاب المسؤولين الذين سيقودون الهيئات أو الأجسام المتنوعة فيها. ولأن "فتح" تسيطر على السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير، فإن الحصيلة ستكون لها مضاعفات تتجاوز الديناميات الحزبية الداخلية.
ثلاثة تحديات رئيسية ستُلقي بظلالها على بدايات الجمعية، هي التنافس على خلافة الرئيس محمود عباس، وعلى رئاسة "فتح"، وعلى دور السلطة الوطنية الفلسطينية في مستقبل غزة، وأخيراً على انخفاض شعبية "فتح". إذ منذ بدايتها عام 1965 عقدت "فتح" جمعيات عمومية عدة كان آخرها عام 2016.
في هذه الاجتماعات يُنتخَب أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري والهيئات الأخرى في الحركة والمنظمة. اللجنة المركزية مهمة لأن أعضاءها يشرفون على المؤسسات الرئيسية للحركة ويضعون ميزانيات أجسامها ولهم كلمة في التعيينات داخل السلطة الوطنية الفلسطينية. تقليدياً يشغل زعيم "فتح" موقع رئاسة منظمة التحرير ورئيس السلطة الوطنية.
الحركة لم تعد بالوزن الذي كانت عليه منذ نشأتها. إذ أظهر استطلاع رأي أُجري أواخر 2025 أن ربع المشاركين فيه فقط أبدوا تأييدهم لـ"فتح". يعود ذلك إلى عوامل عدة منها فشل "اتفاق أوسلو" في تحقيق السلام مع إسرائيل وفي إقامة دولة فلسطين. و"غروب" الحركة المذكورة يعود إلى عوامل عدة أخرى منها ضعف حركة التنافس داخل "فتح" بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وخصوصاً بعد وصول محمود عباس (أبو مازن) إلى رئاسة المنظمة والسلطة معاً.
من العوامل أيضاً مستقبل "فتح" والسلطة في قطاع غزة. وفي حين لا تتضمن خطة ترامب المؤلّفة من عشرين نقطة أي دور للسلطة في الأراضي المحتلة، إلا أنها ترى استئنافا محتملا لإشراف السلطة في مرحلة من المراحل. فالخطة الأميركية تطلب من السلطة تحقيق إصلاحات، وعملٌ كهذا لا بد أن يكون متصلاً بديناميات حركة "فتح". ورغم أن الاثنتين منفصلتان رسمياً، فإن أعضاء "فتح" يسيطرون على بيروقراطية السلطة الفلسطينية على كل المستويات، ويحتفظون بدور ملحوظ في تقرير سياسة السلطة الوطنية والتعيينات الأساسية فيها بما في ذلك الوزراء ورؤساء الأجهزة الأمنية.
ستحتاج فتح للحصول على دور أساسي في غزة إلى إعادة بناء قاعدتها الحزبية والشعبية في القطاع بعدما أضعفتها وهمّشتها حركة "حماس" جرّاء سيطرتها على غزة عسكرياً عام 2007. يعود ذلك أيضاً إلى إبعاد "حماس" مؤيدي "فتح" وأعضاءها عن المواقع الرسمية وحتى عن القطاع نفسه، وإلى إقدام "فتح" بزعامة عباس على التخلص من منافسين، ومنهم محمود دحلان. إلى ذلك، هناك موضوع خلافة عباس على رأس "السلطة" و"فتح". وهو بلغ من العمر نحو 90 عاماً وقد تكون هذه فرصته الثالثة والأخيرة لتكون له كلمةٌ في اختيار خلفه في رئاسة السلطة.
علامَ يجب أن يُركّز في أثناء متابعة التطورات المرتقبة داخل "السلطة" و"فتح" وفي ما يتعلق بفترة يُفترض أن تتبع "السلطة" و"فتح" القواعد القانونية والتنظيمية؟ استناداً إلى الماضي، فإن اتفاقات الدقيقة الأخيرة والضغوط الخارجية قد تكون لها كلمةٌ أساسية في ملء الفراغات داخل "السلطة" و"الحركة". وهذا ما كان يحصل في السابق. الاستثناء الوحيد اليوم يتعلّق بغزة. فمصر التي لا تؤيّد مرشحاً بعينه نجحت في الضغط على "فتح" للحصول على ضمانات لإحترام الحصص في القواعد التي ستُعدّ للتنفيذ في غزة وفي كل ما يتعلق بالمجالس المنتخبة والحصص. والمراقبة الأهم ستكون للجنة المركزية ولمرشحين رئيسيين لرئاستها هما ياسر عباس نجل الرئيس الحالي محمود عباس، وهو دخل الحياة العامة بعد تعيين والده إياه موفداً للبنان ولدول الخليج. ويُقال إنه يقوم منذ ذلك الحين بدور رسمي مهم داخل "فتح" و"السلطة". ونجاح ترشيحه سيكون سلبياً لحركة "فتح" إذ يُبرز أكثر صورة اهترائها، ويذكّر الفلسطينيين والعرب بالجهود البارزة التي بذلها رئيس مصر السابق حسني مبارك لإحلال ابنه جمال في الرئاسة مكانه، والتي بذل مثلها الرئيس الليبي معمر القذافي لإيصال ابنه إلى قيادة ليبيا. ومعلوم أن ابن عباس نفى ولا يزال ينفي سعيه إلى احتلال مناصب والده.
وهناك مرشح آخر مُحتمل هو الجنرال مجيد فرج. ويبدو أن نظرة الخارج إليه إيجابية، وتحديدا الأجهزة الأمنية، وإسرائيل واحدة من المؤيدين له، وكذلك الولايات المتحدة.
أما في انتخابات "المجلس الثوري" فهناك ثلاثة تجدر مراقبتهم. الأول مروان البرغوثي المسجون مدى الحياة في إسرائيل والحائز تأييد غالبية الجمهور الفلسطيني استناداً إلى استطلاعات الرأي، علماً أن مؤيديه أُبعدوا في المؤتمر السابع. والثاني محمود دحلان الذي لا يزال لديه بعض الدعم من المؤيدين التقليديين لـ"فتح"، وخصوصاً في غزة وأيضاً في لبنان، علماً أن خلافه مع عباس غير قابل للتسوية. وهناك أيضاً عدد من المستقلين في "فتح" نظّم بعضهم الانتخابات الفاشلة عام 2021، وبدأوا يبرزون في الضفة الغربية. إلى هؤلاء هناك أعضاء في "المجلس الثوري" سيحاولون المساعدة لإعادة ترتيب صورة "فتح" وخصوصاً بين الشباب الفلسطيني.
ما مضاعفات ذلك في السياسة الأميركية؟ لـ واشنطن قدرة محدودة على ترتيب الديناميات السياسية الداخلية الفلسطينية. وهذا قد يكون بارزاً أكثر في إدارة ترامب التي قلّصت انخراطها مع منظمة التحرير، كما فكّكت الوكالة الدولية للتنمية وضربت المساعدات للفلسطينيين. على الولايات المتحدة، يقول باحث أميركي بارز، العمل مع الشركاء العرب وخصوصاً مصر والأردن والسعودية والتركيز على ثلاثة أمور. أولها الخلافة الفلسطينية. ولدى واشنطن مصلحة في إيصال رئيس لـ"السلطة" ولـ"فتح" قادر على تعزيز الاستقرار في الضفة الغربية. ولديها مصلحة في عدم تبنّي مرشح معيّن.
ثانيها الدفع في اتجاه إجراء إصلاحات داخل السلطة الوطنية الفلسطينية. وثالثها العمل لضمان فاعلية القطاع الأمني بمساعدة مكتب المنسق الأمني الأميركي. ولا بد من التركيز على إزالة "السياسة" من القوى الأمنية للسلطة الفلسطينية.
نبض