"طالبان" وغواية الخطاب الإلهي

كتاب النهار 18-05-2026 | 09:48

"طالبان" وغواية الخطاب الإلهي

يزداد الأمر خطورة عندما تقدّم الجماعة الحاكمة نفسها بصفتها "المخلّص" الذي أُرسل بتفويض سموي، إذ تتحول أفكارها الأصولية إلى حقائق مقدسة لا تقبل النقاش.
"طالبان" وغواية الخطاب الإلهي
طالبان...تكلبف إلهي؟
Smaller Bigger

 
 لا يزال النموذج الأفغاني مثالاً ينبغي التوقف عنده واستخلاص العبر منه، كأنه تجسيد لحكاية "الدبّة التي قتلت صاحبها"؛ فكان هدفها إبعاد الذبابة عن وجهه، لكنها قتلته بسوء تقديرها. وهكذا يفعل كثير من الجماعات التي تصل إلى السلطة رافعةً شعارات خدمة الوطن والنهوض به، قبل أن تكشف السنوات أن مشروعها الحقيقي لم يكن بناء الوطن بقدر ما كان محاولة لإعادة تشكيله وفق حدود رؤيتها للعالم. وتكون النتيجة الفعلية حالةً من الجمود والتراجع، ترتكز إلى تضخيم الإنجازات المزعومة وترسيخ العداء حيال العهد السالف. وفي سياق ذلك، تتحول محاولات صناعة هوية قومية جديدة إلى عملية تضييق على الوطن وأبنائه، عبر تصنيفهم بين موالين ومعارضين وفق معيار الولاء للجماعة الحاكمة، لا للوطن نفسه.

"طالبان" جماعة إلهية
يزداد الأمر خطورة عندما تقدّم الجماعة الحاكمة نفسها بصفتها "المخلّص" الذي أُرسل بتفويض سموي، إذ تتحول أفكارها الأصولية إلى حقائق مقدسة لا تقبل النقاش، وتصبح ممارساتها السلطوية مبررة بحجة حماية الدين أو الدفاع عن المشروع الإلهي. ويتجلى ذلك بوضوح في تجربة حركة "طالبان"، بوصفها جماعة دينية مسلحة تشكّلت رؤيتها للعالم، كما يفسرها علم الاجتماع، من موقعها ذي الحدود القبلية البشتونية والمدرسة الدينية الديوبندية، ما جعلها تنظر إلى نفسها باعتبارها جماعة تمتلك شرعية إلهية تستمدها من "الدعم الإلهي" من أجل تطبيق الشريعة. ومن هذا المنطلق، لا تمنح الحركة أهمية لمفاهيم الديموقراطية أو لإرادة الناخبين، لأنها ترى أن شرعيتها لا تُقاس بأصوات الناس، بل بمدى التزامها ما تعتبرها أوامر إلهية مستمدة من القرآن والسنة، وهو ما يفسر تمسكها بسلطةٍ مغلقة ترى في نفسها وصيةً على المجتمع، ومهمتها إقامة دولة إسلامية تكون فيها السيادة المطلقة لله، وهم منفذو هذه السيادة على الأرض.
في كنف السلطة الإلهية
ما بين 18 ألفاً و23 ألف مسلح ينتمون إلى أكثر من 20 جماعة متطرفة ينشطون داخل أفغانستان، وهو ما يثير تساؤلات حول الأسباب التي جعلت هذا البلد ساحةً جاذبةً لتلك التنظيمات. صحيح أن تقارير تشير إلى أن مقاتلين من الإيغور والطاجيك والأوزبك، ممن عادوا من سوريا، وجدوا في أفغانستان ملاذاً آمناً هرباً من الملاحقات الأمنية في بلدانهم، إلا أن الأمر لا يرتبط بعامل الجغرافيا أو ضعف الدولة فحسب، بل أيضاً بطبيعة السلطة القائمة نفسها. فالحكم هناك يسعى إلى تقديم الإمارة الإسلامية بوصفها نموذجاً "إلهياً" قابلاً للتصدير، الأمر الذي يمنح تلك الجماعات شعوراً بالحماية والشرعية تحت مظلة هذا النظام. ويتضح ذلك في العلاقة مع "طالبان-باكستان"، التي تستغلها الحركة الأفغانية أداةً لتحقيق أهداف ذات أبعاد قومية وعرقية مغلّفة بخطاب ديني، مثل توظيف مفهوم "الجهاد" في خدمة النزعة القومية البشتونية وتوسيع نفوذها داخل المنطقة.
خطاب الجماعة المؤيدة من السماء
خلال المرحلة الراهنة، تركز آلة إعلام "طالبان"، خصوصاً عبر منصات التواصل الاجتماعي بمختلف اللغات، على تسويق خطاب يصورها بصفتها دولةً نجحت في استعادة الهوية الإسلامية والتحرر من الهيمنة الغربية وتحقيق الانتصار على الولايات المتحدة. غير أن هذا الخطاب يحتاج إلى جهد معرفي ونقدي كبير لتفكيكه وكشف ما يتضمنه من توظيف أيديولوجي للتجربة الأفغانية. وتكمن خطورته في أن تأثيره لا يتوقف داخل أفغانستان، بل يمتد إلى عالمنا العربي، حيث يجد صداه لدى بعض فئات الشباب التي تنظر إلى تجربة "طالبان" باعتبارها نموذجاً مثالياً قابلاً للاقتداء، بدلاً من التعامل معها بوصفها تجربة معقدة ينبغي قراءتها بعين النقد واستخلاص العبر منها. ومن هنا تنبع الحاجة إلى بناء وعي معرفي قادر على التمييز بين الشعارات والواقع الحقيقي، لأن الانبهار بالنماذج المؤدلجة، من دون تفكيك خلفياتها السياسية والاجتماعية، قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأزمات نفسها داخل مجتمعاتنا.

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 5/17/2026 12:57:00 PM
مستشار المرشد الإيراني: تهديدات ترامب التي تؤججها تل أبيب تُمثّل فخاً استراتيجياً
لبنان 5/17/2026 9:48:00 AM
غارات إسرائيلية متواصلة على قرى جنوب لبنان والبقاع الغربي
لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...