لم تغلق قمة بكين حرب هرمز بل عولمتها!

كتاب النهار 18-05-2026 | 09:47

لم تغلق قمة بكين حرب هرمز بل عولمتها!

يعتقد ترامب أنه يستطيع تحمل تداعيات إغلاق هرمز. فبصفتها أكبر منتج عالمي للنفط حالياً، تجد الولايات المتحدة نفسها الأقل تضرراً! وفي أسوأ الأحوال ستضطر الى وقف تصدير النفط، ضماناً لكسر الأسعار في الداخل.
لم تغلق قمة بكين حرب هرمز بل عولمتها!
سفن في مضيق هرمز
Smaller Bigger

فيما كان الزعيمان يتصافحان فوق الطاولة، كانت البوارج تتبادل الركلات من تحتها. 


ليست تلك مبالغة في العبارة، بل وصف مختصر للحظة كشفت ما حاولت الديبلوماسية إخفاءه: إذ لم تعد أزمة هرمز حرباً أميركية ــ إيرانية محدودة، ولا نزاعاً إقليمياً قابلاً للاحتواء، بل اختبار مفتوح لقواعد القوة البحرية في القرن الحادي والعشرين.


قبيل قمة ترامب- بينغ بساعات، في الثالث عشر من أيار/ مايو 2026، وفي بحر العرب، قامت مدمرة صينية وسفينتا دعم بانعطاف حاد نحو مجموعةٍ ضاربة أميركية تقودها حاملة طائرات. لم يكن التحرك عابراً ولا ملتبساً، في واحد من أكثر الممرات حساسيةً على الأرض، حيث وقف جنود الطرفين على حافة خطأ واحد. 


هرمز: صراع صيني - أميركي؟

خلال ثلاثين دقيقة، تحول مضيق هرمز إلى مسرح مكثف لصراع أكبر من إيران وأبعد من الخليج. أرادت بكين أن تقول لواشنطن إنها حاضرة. وحرصت واشنطن على أن تثبت أن ردعها لا يزال في أوجه وان صدقيتها حيال دول اخليج لا تختل. 

 

رسالة صينية محسوبة، ورد أميركي سريع، ومقدمة صامتة لقمة يفترض أنها تبحث التهدئة، بينما كانت تسبر حدود المواجهة.


جاءت لحظة هرمز في سياق بالغ الدقة. لم يكن المضيق المختنق، ولا وزنه الفادح، مجرد مياه بين ضفتين؛ بل صار صمام أمان للسلم العالمي. في حين تستمرئ إيران على الضفة الشرقية، بمدفعيتها الساحلية، وزوارقها السريعة، وصواريخها، وطائراتها المسيّرة، وقرارها المتشظي، ويقف العالم على الضفة الأخرى مع دول الخليج العربي

 

بذلك لم تعد الحرب ثنائية الأبعاد، إذ لا تريد الصين إغلاق هرمز، لكنها لا تريد أن تنفرد واشنطن بفتحه عنوة. وفيما تستثمر أميركا لاستكمال سيطرتها على مضائق الملاحة الكونية، من بنما، إلى جبل طارق ثم إلى قناة السويس وصولا إلى هرمز. تكمن المفارقة هنا. بكين تحتاج إلى مضيقٍ مفتوح كي يستمر تدفق الطاقة والمواد الأولية والغذاء إلى اقتصادها. لكنها لا تريد مضيقاً ترفرف فوقه الراية الأميركية. وتريد إيران قابلةً للاستخدام، لا منفلتة إلى حد الإضرار بها.


أراد ترامب من "شي" المساعدة في كبح طهران، وإعادة فتح هرمز، وحرمان إيران النووي. غير أن السؤال الأهم: من يدفع تكلفة فرض الإرادة الدولية؟ ومن يجني أرباحها؟


لا تسوية كبرى!

لم تأت قمة بكين بتسوية كبرى. بل كانت مرآة باردة لتصاعد هندسة الصراع العالمي. فلقد جلست القوتان العظميان إلى الطاولة واحدة لكن كلا منهما حمل خريطةً مختلفة. 

 

واشنطن ترى في هرمز جزءاً من نظام بحري  صممت على اخضاعه، فيما ترى بكين في التعريف الأميركي لـ"الأمن البحري" سابقةً تفتح الباب لاحقاً في تايوان وبحر الصين الجنوبي. فالسوابق في السياسة قابلة للانتشار والعدوى. 

 

سعت الصين إلى مقايضة دقيقة. قد تساعد في تهدئة إيران، لكنها لن تفعل ذلك مجاناً. ستطلب ثمناً في التجارة، والتكنولوجيا، والعقوبات، وتايوان. لكنها ستحرص على ألا تبدو شرطياً مساعداً في الحرب الأميركية.


تلعب إيران ورقة أخطر! ولن تكون قادرة على تحملها إلا لأسبوع أو اثنين. تراهن على أنه يكفي أن ترتفع تكلفة التأمين، ويدخل المتداولون والمصافي والحكومات في حسابات الخوف. الردع الإيراني لا يهدف الى الانتصار، بل إلى زعزعة الثقة العالمية. لكن، من سخرية الأقدار، أن تشترط إيران بسلوكها البلطجي على العالم أن يفوضها شرطياً مارقاً يمسك بشريان الطاقة الكوني. 
يعتقد ترامب أنه يستطيع تحمل تداعيات إغلاق هرمز. فبصفتها أكبر منتج عالمي للنفط حالياً، تجد الولايات المتحدة نفسها الأقل تضرراً! وفي أسوأ الأحوال ستضطر الى وقف تصدير النفط، ضماناً لكسر الأسعار في الداخل، وتجنب التداعيات السياسية الداخلية على ترامب. 


بل يعتقد الأميركيون أن إغلاق المضيق يضرب الصين في قلب اقتصادها بشكل قاتل خلال ستة أشهر! وتعرف بكين ذلك وان الأزمة قد تتحول أزمة توريد طاقة وغذاء وصناعة، وتصدير وزراعة ومواد أولية حيوية. لذلك لا تريد بكين انتصار إيران. بل تريدها مشاغبة، مدينة جزئياً للصين، ومضبوطة بما يكفي كي لا تحرق الطاولة. 


هذه هي المعادلة الصينية: مضيق مفتوح، لكن بلا نصر أميركي صريح. ضغط على إيران، لكن من وراء الستار. تعاون مع واشنطن، لكن في مقابل مكاسب. 
أما المعادلة الأميركية فأكثر حدة ووضوحاً: استخدام نفوذ الصين من دون منحها حق المشاركة في صياغة النظام.


وفيما تنكب دول الخليج العربي على ترويض العدوان الإيراني. فانها تخشى من احتمالين متناقضين: إزمان الصراع، أو احتدام الحرب. 
لم تكن حادثة السفن الصينية تفصيلاً عسكرياً معزولاً. بل كانت جرس انذار يقرع ان الأزمة لا تحتاج إلى قرار كبير كي تتسع. 


قمة الرموز

فلو جرت أي مناوشة فعلية عشية القمة،  كانت بكين ستحتج وتصف الأمر بأنه عدوان ضد تجارتها. وترد واشنطن بأنها تطبق العقوبات وتحمي الملاحة. ثم ترسل الصين سفن مرافقة أو قدرات مراقبة إلى خليج عمان. عندها لا تعود الأزمة إيرانية. بل تصير اختباراً حياً لمن يملك حق تعريف الأمن البحري.
بهذا المعنى، لم تغلق قمة بكين حرب الخليج. بل كشفت اتساعها. صحيح أنها قد تنتج قنوات اتصال، وضغوطاً صينية غير معلنة، وربما تخفيفاً محسوباً لبعض العقوبات على المصافي الصينية التي تشتري النفط الإيراني، لكنها لم تنتج سياقاً جديداً للصراع مع ايران، ولا تفاهماً صلباً حول التفتيش، ولا مقايضة نهائية حول تايوان، ولا تسوية في المعادن النادرة أو التكنولوجيا. 
كانت القمة غنية بالرموز وفقيرة بالأدوات.


فهل تنتهي الأزمة بانتصار نظيف أو سلام مكتمل؟ ام باستنزاف مضبوط: هرمز مفتوح بما يكفي لمنع الانهيار، وخطر بما يكفي ليبقى ورقة ضغط؛ ضربات محدودة لا تتحول إلى غزو؛ وضغوط صينية لا تعلن اسمها؛ وتحصينات خليجية أعمق في الجو والبحر والاستخبارات. 
عندئذ لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: بأي تكلفة سيجري منعها من الانفجار؟

 


هل تخفف واشنطن عقوباتها على شركات أو مصافٍ صينية؟ هل تنخفض مشتريات الصين من النفط الإيراني، أم يعاد ترتيبها عبر وسطاء؟ هل تهبط تكلفة التأمين البحري؟ هل تظهر مرافقة بحرية صينية غرب المحيط الهندي؟ هل تؤجل واشنطن قرارات حساسة تخص تايوان؟ 


ما جرى في هرمز، ثم ما ظهر في بكين، يقول إن المضيق لم يعد مجرد ممر بين إيران وعُمان. بل صار مرآة لنظام دولي تتنازعه قوتان كبيريان.


في الاستراتيجيا البحرية، كما في النار القديمة، لا تحتاج الكارثة إلى غابة؛ بل يكفيها عود ثقاب ومهب ريح.


الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 5/17/2026 12:57:00 PM
مستشار المرشد الإيراني: تهديدات ترامب التي تؤججها تل أبيب تُمثّل فخاً استراتيجياً
لبنان 5/17/2026 9:48:00 AM
غارات إسرائيلية متواصلة على قرى جنوب لبنان والبقاع الغربي
لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...