السودان بين المسيّرات وأيديولوجيا الخراب

كتاب النهار 15-05-2026 | 10:40

السودان بين المسيّرات وأيديولوجيا الخراب

لم يقتصر دور الحركة الإسلامية على إشعال الصراع، بل تحولت إلى مركز ضغط سياسي وإعلامي يمارس نفوذاً متزايداً على القرار داخل القوات المسلحة.

السودان بين المسيّرات وأيديولوجيا الخراب
الأضرار في مطار الخرطوم (أ ف ب)
Smaller Bigger

بينما تنشغل العدادات الأممية بإحصاء أشلاء السودانيين التي تبعثرها الطائرات المسيّرة، يتكشف المشهد السوداني عن مأساة لا تكمن فقط في تكنولوجيا القتل الحديثة، بل في الأيديولوجيا التي أشعلت الفتيل وتصر على إبقاء النيران مستعرة.

إن مقتل نحو 880 مدنياً خلال أربعة أشهر فقط عبر الطائرات المسيّرة، وفقاً لبيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أضرار جانبية لحرب عبثية، بل باعتباره نتيجة مباشرة لمسار سياسي وعسكري مأساوي سعت إليه الحركة الإسلامية السودانية (الإخوان) لاستعادة نفوذها المفقود، ولو على أنقاض الدولة نفسها.

لقد بات من الصعب تجاهل الوقائع السياسية والميدانية التي تشير إلى أن الجناح العسكري للحركة الإسلامية لعب دوراً محورياً في دفع البلاد نحو حرب الخامس عشر من نيسان/أبريل 2023. فبعد أن أطاحت ثورة ديسمبر بنظامهم السابق، وتعثر مشروع العودة عبر تعطيل المسار المدني، بدا أن خيار المواجهة العسكرية أصبح الأداة الأخيرة لإعادة خلط المشهد بالقوة.

لكن الحرب استمرت. لأن استمرارها أصبح هدفاً بحد ذاته.

ولم يقتصر دور الحركة الإسلامية على إشعال الصراع، بل تحولت إلى مركز ضغط سياسي وإعلامي يمارس نفوذاً متزايداً على القرار داخل القوات المسلحة، معرقلاً أي انفتاح جاد على التسويات التفاوضية. وأصبح السلام يُقدَّم داخل الخطاب التعبوي بوصفه تنازلاً وخيانة، فيما تُصوَّر التهدئة باعتبارها هزيمة سياسية وعسكرية.

إن التأثير المتغلغل لعناصر النظام السابق داخل مؤسسات صناعة القرار العسكري يبدو اليوم أحد أبرز العوائق أمام أي هدنة مستدامة أو ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية، في وقت تتوسع فيه رقعة الكارثة الإنسانية بوتيرة غير مسبوقة.

ولم يعد المدنيون يملكون ترف انتظار التسويات.

 

رجل سوداني يتلقى دواءً مجانياً في مستشفى بأم درمان (أ ف ب)
رجل سوداني يتلقى دواءً مجانياً في مستشفى بأم درمان (أ ف ب)

 

وتعكس تحذيرات فولكر تورك، المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان، من دخول الحرب مرحلة أكثر فتكاً، واقعاً بالغ الخطورة، خصوصاً مع تحول الطائرات المسيّرة إلى أداة رئيسية لحصد أرواح المدنيين، خصوصاً في إقليمي دارفور وكردفان. وهي أسلحة يتباهى أنصار الحركة الإسلامية بالحصول عليها من إيران باعتبارها تحولاً نوعياً في مسار المعركة.

هذا الإصرار على الحسم العسكري المستحيل، ورفض المبادرات الإقليمية والدولية، من منبر جدة إلى المنامة مروراً بجنيف وحتى المبادرة الرباعية، يكشف عن تبني استراتيجية الأرض المحروقة، حيث يصبح استمرار الحرب وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي تحت غطاء المعركة الوطنية.

فالهدف ليس الدفاع عن الدولة أو حماية المواطن والسيادة في بلد تتآكل فيه مؤسسات الحكم يوماً بعد آخر، بل خلق واقع من الفوضى الشاملة يمنع نشوء أي بديل مدني ديموقراطي، ويجعل من بقاء التنظيم جزءاً من معادلة الأمن والانهيار معاً.

والمفارقة الأكثر قسوة أن المدنيين الذين تلاحقهم المسيّرات اليوم، هم أنفسهم الذين يواجهون المجاعة وانعدام الأمن الغذائي في مناطق النزوح. ومع انتقال العمليات العسكرية إلى ولايات كانت تُعد حتى وقت قريب أكثر أمناً، يتضح أن إرادة إطالة أمد الحرب باتت تتقدم على أي حسابات إنسانية أو وطنية.

إن مسؤولية الحركة الإسلامية عن هذا التدهور لا تقف عند حدود التحريض السياسي، بل تمتد إلى إعادة توجيه القرار الوطني لخدمة مشروع تنظيمي ضيق، يجعل من استمرار الحرب شرطاً لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

ومن دون مواجهة هذا التغول الأيديولوجي على القرار العسكري وسيطرته على المؤسسات العسكرية والأمنية، سيظل السودان ينزف تحت سماء مكتظة بالمسيّرات، في حرب لم تعد تميز بين جبهة قتال وطفل يبحث عن كسرة خبز وسط الركام.