الموظفون الكبار في الدولة: ولاؤهم ونظافة كفّهم
من وقت لآخر يرتفع من جديد صوت الكلام عن المحاصصة السياسيّة في التعيينات في القطاع العام وخصوصاً في وظائف الفئتين الأولى والثانية. هذا كلام قديم العهود في لبنان. أستطيع أن أفهم أن في بلدٍ مثل بلدنا، يجب أن يكون قائد الجيش مسيحياً مارونيّاً، وأن يكون رئيس مجلس الإنماء والإعمار مسلماً سنياً وأن يكون رئيس الجامعة اللبنانية مسلماً شيعيّاً. أتقبّل هذا الواقع على مضض. فنحن نعيش في بلدٍ دقيقٍ تركيبته طائفيّةٌ مذهبيّة معقّدة، ومن الصعوبة بمكان تغييرها في الوقت الحاضر. لكن ما لا أفهمه ولا أقبله هو سيطرة رجال السياسة الكبار في لبنان على هذه التعيينات لا سيّما أنّ هذه التعيننات تشمل وظائف حسّاسة جداً في هيكليّة الدولة اللبنانية الإدارية.
لماذا هذا الخوف عندي؟ هذا الخوف نابعٌ من سؤالين، الأول هو حول حتميّة الولاء للزعيم السياسي إذا أنتَ أردتَ أن تترقّى في مؤسسات الدولة، والثاني نابعٌ من شكّي المبرّر في مستوى النزاهة والشفافيّة عند هؤلاء الموظفين الكبار. وفي هذين الخوفين أسأل مجموعة أسئلةٍ: أولاً، كيف نطلبُ من موظفي الدولة ألّا ينتموا إلى هذا الحزب أو ذاك عندما هُم يدركون أنّ فرصَهم بالترقية هي أعلى بكثير عندما ينبطحون أمام الزعيم السياسي؟ وكيف نطلبُ من الموظفين الكفوئين غير المُسيّسين أن يكون ولاؤهم للبنان وأن يخدموا المواطن بكل طيبةٍ عندما نجدهم يائسين من إمكانيّة ترقيتهم لأنهم لا ينتمون إلّا إلى لبنان؟ وكيف نتوقّع من رجلٍ أمنيٍّ عالي المستوى مثلاً أن يتعاطى في كل المناطق ومع كلّ الجهات الحزبيّة والمدنية على قدم المساواة عندما هو يدرك تماماً أن من أوصله إلى هذا الموقع هو الزعيم السياسي الفلاني؟ فإذا ارتكب مناصرٌ لهذا الزعيم مخالفة بناءٍ مثلاً، هل سيقوم هذا الرجل الأمني بواجباته كاملةً كما يتطلّب القانون؟ أم أنّه في الساعة المُحرِجة سيتذكّر أن هذا المُخالِف ينتمي إلى الزعيم الذي أوصله إلى الموقع الحسّاس؟ وكيف نتوقّع من مديرِ عامٍ في الدولة يريد أن يُجري مناقصةً في وزارته مثلاً أن يكون شفّافاً في فضِّ العروض وانتقاء المورِّد عندما يكون أحد مقدّمي العروض منتمياً إلى الزعيم السياسي الذي أتى به شخصيّاً إلى جنّة الحكم؟ وهل موظّفو الدولة الكبار هُم من فئة الأنبياء والمرسلين حتّى نطمئنّ؟
هذه المحاصصة السياسية في التعيينات الأساسية في الدولة أوقعتنا في السابق في محظورَين، الأول هو التسيُّب الأمني بسبب الخجل من الزعيم عند تنفيذ القانون، والمحظور الثاني هو الوقوع في الفساد بسبب إمكانيّة المقاربة غير القانونية واللاأخلاقية عند تلزيم المشاريع. في الختام عودٌ على بدء. الموظفون الكبار في الدولة لمن ولاؤهم؟ وما هي ضمانة نظافة كفّهم؟
نبض