ما الذي تبحث عنه واشنطن في بكين؟

كتاب النهار 14-05-2026 | 04:40

ما الذي تبحث عنه واشنطن في بكين؟

السؤال الذي يلاحق الزيارة بهدوء هو: هل انتقلت واشنطن من سياسة "منع صعود الصين" إلى سياسة "تنظيم الصعود الصيني"؟ لأن الفارق بين العبارتين يشبه الفارق بين من يحاول إيقاف النهر، ومن يحاول فقط توجيه مجراه.

ما الذي تبحث عنه واشنطن في بكين؟
زيارة ترامب للصين رغم كل ما تحمله من ثقل، ليست مضمونة النتائج (أ ف ب)
Smaller Bigger

قبل تسع سنوات، دخل الصين وهو يحمل يقين القوة الأميركية التي تعتقد أن العالم لا يزال يُدار من واشنطن وحدها. اليوم، يعود دونالد ترامب إلى بكين لثلاثة أيام كاملة، لا كرئيس يزور خصماً تجارياً فحسب، بل كزعيم يدرك أن القرن الذي حاولت بلاده تشكيله منفردة، بدأ يكتب نفسه بلغتين.

 

هذه هي الزيارة الثانية لترامب إلى الصين منذ زيارته الأولى خلال ولايته السابقة، لكنها تختلف عنها كما يختلف عالم ما قبل الأوبئة والحروب والعقوبات عن عالم اليوم. آنذاك، كانت واشنطن تتحدث بثقة عن احتواء الصين. أما الآن، فهي تصل إلى بكين وسط حرب تستنزف الشرق الأوسط، واقتصاد عالمي مرتبك، وسباق تكنولوجي يشبه سباق النجاة أكثر مما يشبه سباق الهيمنة.

 

الملف التجاري سيكون أول الحاضرين على الطاولة. الولايات المتحدة لا تزال أكبر شريك اقتصادي للصين، رغم كل ما قيل عن “فك الارتباط”. وبين البلدين رسوم جمركية ضخمة فرضها ترامب على المنتجات الصينية منذ سنوات الحرب التجارية، في محاولة لإبطاء الصعود الاقتصادي لبكين وإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية. لكن السؤال الذي يطفو فوق الأرقام ليس كم بلغت الرسوم، بل: هل نجحت فعلاً في كبح الصين، أم دفعتها فقط إلى تسريع استقلالها الاقتصادي؟

 

في مثل هذه الزيارات، لا تكون التجارة مجرد تجارة. الأرقام هنا تخفي صراعاً على من يملك حق كتابة القواعد الاقتصادية للعالم المقبل. فحين تجلس أكبر قوتين اقتصاديتين على الطاولة، لا يُناقش سعر الفولاذ، بل شكل النظام الدولي نفسه.

 

غير أن الشرق الأوسط سيكون حاضراً في الغرف المغلقة أكثر مما سيظهر في الصور الرسمية. الحرب مع إيران، وخطر اتساعها، جعلا واشنطن تكتشف حقيقة لم تكن ترغب في الاعتراف بها سريعاً: لا يمكن إدارة أزمات المنطقة الكبرى دون الصين. فبكين ليست فقط منافساً جيوسياسياً، بل المشتري الأكبر للطاقة الإيرانية، وصاحبة النفوذ الاقتصادي القادر على الضغط أو التهدئة. وهنا تبدو المفارقة لافتة؛ الولايات المتحدة التي أمضت سنوات تضغط على الصين، تجد نفسها اليوم بحاجة إليها للمساعدة في إدارة التصعيد في الشرق الأوسط.

 

لكن الزيارة، رغم كل ما تحمله من ثقل، ليست مضمونة النتائج كما تبدو في ظاهرها. فثمة احتمال لا يُناقش كثيراً: أن تتحول هذه الأيام الثلاثة من محاولة لخفض التوتر إلى لحظة كشف حدود القوة الأميركية نفسها.

 

ففي السياسة الكبرى، لا تفشل الزيارات لأن الأطراف لا تتحدث، بل لأنها تتحدث كثيراً دون أن تلتقي على تعريف واحد للعالم. وقد تخرج بكين وواشنطن من هذه الطاولة، لا باتفاق جديد، بل بتثبيت قناعة أعمق: أن الفجوة بينهما لم تعد تُدار، بل تُراقب فقط حتى لحظة الانفجار أو الانفصال البطيء.

 

جناحان...

وما يزيد المشهد تعقيداً، أن فريق ترامب نفسه ليس كتلة واحدة. فبين جناح اقتصادي يريد تهدئة مع الصين لحماية الأسواق، وجناح أمني يرى في أي تقارب تنازلاً استراتيجياً، قد تتحول الزيارة إلى اختبار داخلي بقدر ما هي اختبار خارجي. وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: هل تذهب واشنطن إلى بكين بصوت واحد… أم بأصوات متعددة تتفاوض ضد بعضها قبل أن تفاوض الصين؟

 

لكن الملف الأخطر قد لا يكون النفط ولا الحرب، بل الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية. وجود قادة التكنولوجيا ضمن فريق ترامب ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل اعتراف بأن المعركة الحقيقية لم تعد على الموانئ فقط، بل على المستقبل نفسه. الرقائق الإلكترونية أصبحت لغة القوة الجديدة، ومن يملكها يملك الاقتصاد والسلاح والذكاء الاصطناعي معاً.

 

ولهذا، فإن السؤال الذي يلاحق الزيارة بهدوء هو: هل انتقلت واشنطن من سياسة "منع صعود الصين" إلى سياسة "تنظيم الصعود الصيني"؟ لأن الفارق بين العبارتين يشبه الفارق بين من يحاول إيقاف النهر، ومن يحاول فقط توجيه مجراه.

 

ومن هناك، يطل شبح تايوان فوق الطاولة كلها. لكن خطورة تايوان لا تكمن فقط في بعدها السياسي، بل في كونها مركزاً صامتاً للاقتصاد العالمي الحديث.

 

فالعالم، من الهواتف إلى الطائرات إلى أنظمة الدفاع، يمر عبر خطوط إنتاج لا يمكن فصلها عن الجزيرة التي تنتج أكثر الشرائح تقدماً في العالم. ليست تايوان مجرد ملف سيادة، بل نقطة اختناق تكنولوجية.

 

وهنا يكمن التناقض: كلما تحدثت واشنطن وبكين عن "فك الارتباط"، ازدادت الصناعة العالمية التصاقاً بتايوان. وكأن العالم يبني نظامه الجديد فوق أرض يعلم أنها الأكثر هشاشة في معادلة القوة.

 

والسؤال الذي لا يُقال علناً: ماذا يحدث للنظام العالمي إذا تحولت هذه الجزيرة الصغيرة إلى نقطة تعطيل واحدة لسلاسل الذكاء الاصطناعي والسلاح والاقتصاد معاً؟

 

أعمق من هدنة

لهذا، تبدو الزيارة أكبر من لقاء بين رئيسين، وأعمق من مجرد هدنة تجارية. إنها محاولة لاختبار سؤال أخطر: هل ما زال بالإمكان إدارة التنافس بين القوتين الأكبر دون الانزلاق إلى صدام يعيد تشكيل العالم بالقوة؟

 

ربما لن تخرج بكين بإعلان تاريخي يغيّر العالم فوراً. لكن ما سيحدث خلال هذه الأيام الثلاثة قد يكشف شيئاً أكثر أهمية: كيف يفكر القرن الجديد بنفسه؟ لأن العالم لا ينتظر فقط ما سيقوله ترامب وشي جينبينغ، بل ينتظر معرفة ما إذا كانت القوى الكبرى قد وصلت أخيراً إلى قناعة مرعبة… أن كسر الآخر أصبح مستحيلاً، وأن التعايش معه، مهما كان هشاً، قد يكون الخيار الوحيد لإنقاذ هذا القرن من نفسه.

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/13/2026 4:10:00 AM

التاريخ لا ينتظر المترددين، والفرص الكبرى لا تتكرر مرتين. والمنطقة اليوم أمام لحظة مفصلية: إما مواجهة مشروع الفوضى والتوسع بحزم ووعي ووحدة، وإما ترك الأزمات تتجدد لعقود أخرى.

لبنان 5/13/2026 12:30:00 PM
ماذا نعرف عن نهر الليطاني؟ وكيف تحوّل من مجرى مائي إلى اختبار مفتوح لحدود السيادة في لبنان المعاصر؟
لبنان 5/13/2026 7:33:00 PM
هافن برنابا، ابنة الأعوام الستة، توجه من مركز إيواء في المنصورية رسالة مؤثرة إلى رئيس الجمهورية تختصر وجع قرى الجنوب الحدودية وحنين أهلها إلى العودة