حين اختفى البغداديون بعد عاصفة من النواح

كتاب النهار 14-05-2026 | 04:15
حين اختفى البغداديون بعد عاصفة من النواح

في العصر الحديث أخفى كثيرون قلقهم من أن يلتحق البغداديون بالسومريين بعد أن تعرضت حياتهم لضرباتٍ قاسية كان من شأنها أن تمحو الجزء الأكبر من شخصيتهم.

حين اختفى البغداديون بعد عاصفة من النواح
بين العاطفة والقسوة ضاعت البوصلة (أ ف ب)
Smaller Bigger

قبل أكثر من ثلاثين سنة، سألت صديقي فوزي رشيد (1931 - 2011)، وهو عالم آثار عراقي: "أين اختفى السومريون؟"، قال لي بثقة: "ذهبوا إلى الأهوار بعمائم سوداء حزناً على سقوط دولة أور الثالثة. لذلك سُمي العراق أرض السواد نسبة إلى لون عمائمهم".

ولأني أعرف أن رشيد وهو قارئ مُجيد للكتابة المسمارية، كان يقلقه ويفجعه في الوقت نفسه مصير السومريين، فلم ألحّ في سؤاله عن مرحلة ما بعد النزوح إلى الأهوار. كان السومريون عائلته ولذلك لم أشأ التدخل في شؤونه العائلية.

يتوقع البعض أن المعدان سكان الأهوار الحاليون هم أحفاد السومريين. في العصر الحديث أخفى كثيرون قلقهم من أن يلتحق البغداديون بالسومريين بعد أن تعرضت حياتهم لضرباتٍ قاسية كان من شأنها أن تمحو الجزء الأكبر من شخصيتهم.

وإذا ما كان العراقيون قد انتصروا عام 1972 على أمية القراءة وهو إنجاز عظيم، فإن شبح الأمية الثقافية ظل مهيمناً وله نفوذ قوي وعلى الأخص في الأوساط الحزبية التي شكل الوصول إلى السلطة عقدة وجودها.

من المطلوب أن يكون العقائدي مقفل العقل والروح ولديه نفس قصير ومساحة صغيرة للمناورة بعدها يحل العنف، وهو الخيار المثالي الذي اتسمت به التحولات السياسية في العراق عبر أكثر من ستين سنة من النفخ في بوق الجمهورية المتحررة من الإقطاع والاستعمار معاً.

وهي ليست جمهورية موز بل هي جمهورية باذنجان وطماطم وخيار وقمح ورز وكلها خضر لم يكن يُنظر الى زارعها باحترام. مجتمع ماكر، يأكل من غير أن يحترم اليد التي تقدم إليه ما يأكله باحترام. على رغم أن حكم البعث كان قد قضى على الأمية، غير أن موقفه العصابي من حرية القراءة فرض على الحياة أميةً من نوع أكثر خطورة. لقد كان منع الكتب يتم بمزاجٍ شخصي لا علاقة لها بمعايير ثابتة.

حين تسممت حياة البغداديين بالبكاء
هل سمعتم بسلمان المنكوب؟ باختصار كان ذلك إسماً لمطرب عراقي شهير ولد في ناحية المجر الكبير بالعمارة، جنوب العراق عام 1918 وتوفي في بغداد عام 2011. ليس مهماً هنا البحث عن أسباب نكبته بقدر ما هو مهم أن أُذكّر بأطنان الدموع التي جلبها سلمان معه إلى بغداد.