كيف سيطوّر الزيدي علاقات العراق مع الجوار الخليجي؟
تاريخياً، حرصت السعودية على استقرار العراق وتقوية مؤسسات الدولة، وتعاملت بشكل إيجابي مع حكومات الرؤساء حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني؛ ودعمت الرياض مساراً تدريجياً لإعادة بناء العلاقات.
ملفات سياسية وأمنية ملحة، ستتحمل مهمة إصلاحها حكومة علي الزيدي، القادم إلى سدة رئاسة الوزراء في العراق، من خارج المسارات الحزبية والزعامات الشعبية التقليدية، وإنما عبر تقاطع بين المال والسياسة وشبكات التفاهم داخل النظام.
اختيار الزيدي ذي الخلفية المالية – الاقتصادية، يكشف حاجة "الإطار التنسيقي" إلى شخصية لا تستفز واشنطن ولا تتصادمُ مع طهران، وتستطيع في الوقت ذاته فتح قنوات أوسع مع الجوار العربي، وتحديداً دول "مجلس التعاون الخليجي" والأردن ومصر وسوريا.
دعم أميركي!
الاتصال السريع الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، ودعوته إلى زيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة، منح الترشيح زخماً سياسياً، وإشارة إلى أن الرئيس ترامب مستعد لدعم الزيدي في حال كانت حكومته معنية بتطوير العلاقات الثنائية من جهة، والاستجابة للإصلاحات الضرورية أمنياً واقتصادياً، وتحديداً في ملفات الفصائل المسلحة وشبكات تهريب الأموال وتبييضها والعلاقات مع إيران؛ وهي ملفات لا تعني الولايات المتحدة وحدها، بل أيضاً دول الخليج العربي، التي تعرضت في الحرب الأخيرة إلى اعتداءات مسلحة انطلاقاً من الأراضي العراقية، حيث قامت فصائل موالية لإيران باستهداف منشآت للطاقة عبر الطائرات المسيرة.
هذا الملف الأمني المتعلق بالأنشطة العسكرية للفصائل الثورية، يمتلك أولوية ملحة لدى "مجلس التعاون الخليجي" الذي سيراقب عن كثب طريقة معالجة الحكومة العراقية المقبلة له، وإذا كانت ستكتفي فقط بالبيانات السياسية، أم ستتخذ خطوات عملية تحصر السلاح بيد مؤسسات الدولة وفقط، وتمنع أي اعتداءات خارجية تكون الأراضي العراقية مصدرها.
اعتداءات الميليشيات!
خلال الحرب الأخيرة، الكويت استدعت القائم بالأعمال العراقي احتجاجاً على تعرضها لاعتداءات قامت بها "الفصائل المسلحة"، والسعودية أدانت استهداف مواقع كويتية بطائرات مسيّرة آتية من العراق، وقطر ربطت الاعتداءات على منشآت الطاقة بأمن المنطقة والاقتصاد العالمي؛ أي أن هنالك مواقف واضحة من العواصم الخليجية، تجعل المبادرة لعلاج هذا الملف ضرورة لتحسين علاقات بغداد مع محيطها العربي.
هذه الوقائع تضع رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي أمام واقع واضح جداً، رغم شدة تعقيده، وهو أنه لا يمكن بناء شراكة خليجية جادة مع حكومة عراقية لا تملك قرار السلاح. فالعلاقات الاقتصادية والربط الكهربائي والاستثمار وإعادة الإعمار، كلها تحتاج إلى ثقة أمنية قبل أي شيء آخر، ولا تستطيع بغداد أن تطلب انفتاحاً خليجياً واسعاً فيما تبقى جماعات مسلحة قادرة على تهديد الحدود أو المنشآت أو خطوط الطاقة من خارج قرار الدولة المركزية!
تاريخياً، حرصت السعودية على استقرار العراق وتقوية مؤسسات الدولة، وتعاملت بشكل إيجابي مع حكومات الرؤساء حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني؛ ودعمت الرياض مساراً تدريجياً لإعادة بناء العلاقات، عبر "مجلس التنسيق السعودي – العراقي" والتبادل التجاري ومشاريع الطاقة والربط الكهربائي. كما أن نشاطات السفير السعودي في بغداد عبد العزيز الشمري، وتواصله مع مختلف المكونات السياسية والثقافية والدينية، وزياراته إلى النجف وكربلاء ولقاءاته بعدد من المرجعيات الدينية وأساتذة الحوزة العلمية، يعكس سياسة سعودية تتعامل مع العراق بوصفه دولة متعددة المكوّنات، تحترمها جميعها دون أن تُفضل مكوّناً على آخر.
أن يكون العراق دولة مستقرة بمؤسسات وحكومة قوية، صاحب قرار سيادي مستقل، لا يخضع لإيران أو لغيرها، ولا يدخل في محور يهدد استقرار المنطقة، ولا تتناهبه الميليشيات، فإن في ذلك مصلحة الشعب العراقي قبل كل شيء، ومصلحة دول الجوار التي ستجد بغداد منها كل الدعم والمساندة.
نبض