إنها حرب الصورة وعليها

كتاب النهار 01-05-2026 | 04:49

إنها حرب الصورة وعليها

تعتمد الولايات المتحدة واسرائيل استراتيجيتين متشابهتين للصورة مترافقتين مع شرحين متماثلين يقدمهما دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو المزهوان بقوتهما العسكرية.
إنها حرب الصورة وعليها
صورة تعبر عن قوة التدمير والمعاناة الانسانية
Smaller Bigger

الحرب الدائرة حالياً في الشرق الأوسط هي في أحد وجوهها حرب صورة أو على الصورة. الحروب الحديثة كلها أصبحت كذلك، لا يربح الرابحون حرباً إذا لم يربحوا حرب الصورة، أياً تكن  نتائج الحرب العسكرية على الأرض. ليست الصورة مجرد توثيق للحظة ولا تسجيل للانجازات العسكرية، هي سلاح متعدد الطلقة، خارق للقلوب والعقول، وأداة تدمير فتاكة.

 

تستخدم الولايات المتحجة الصورة بشكل مكثف في حربها على إيران، ومثلها تفعل إسرائيل، معتمدتين على تكنولوجيا متقدمة وعلى جيوش من الخبراء في الإعلام الرقمي وفي علمي الإعلام والنفس، وعلى خبرةٍ طويلة تعود إلى بدايات القرن العشرين عندما كانت أميركا تخطط للسيطرة على العالم والحركة الصهيونية لاحتلال فلسطين. لكنهما ليستا متفردتين في ذلك تماماً، فالإيرانيون أيضاً يجيدون اللعبة وكذلك "حزب الله". والأخيران ينفقان أقل بكثير على آلتهما الإعلامية والدعائية ويعتمدان على التكنولوجيا الاميركية نفسها في حربهما النفسية من خلال الانترنت ومواقعها الاجتماعية المتاحة للجميع.

 

تعطي الصورة انطباعاً جازماً بالحقيقة، لكنها في الواقع ليست دائماً كذلك، الحقيقة التي تعطيها الصورة ليست بالضرورة هي الواقع. المتلقي يصدق ما يراه لكنه لا يعرف ما هو الذي لا يراه وما هو المحجوب في الصورة، ولا يعرف في أي ظرف أخذت الصورة ولا هوية الذي نشرها وسياسته ودوافعه واهدافه، وحتى مهنيته. كثير من الصور التي يبثها إعلام الاطراف المتحاربين ليست صوراً للمشهد كاملاً.

 

إنها صور مختارة بعناية لاهدافٍ محددة بعناية أيضاً، ألا تمنع إسرائيل بث أي صور من مدنها المقصوفة قبل الحصول على الموافقة الأمنية؟ ومثلها تفعل أميركا وروسيا وأوكرانيا وإيران. الصور التي تصل إلينا هي أقل القليل ومصورة خلسة أو عبر الأقمار الاصطناعية. ربما تكون الساحة اللبنانية هي الوحيدة المباحة والمستباحة لكل أنواع التصوير والبث والنشر، إذ لا دولة تهتم بهذا التفصيل "العديم الأهمية" فيما "حزب الله" الطرف في الحرب يكتفي بإبعاد الإعلام عما يعتبرها مناطق أمنية وعن جمهور بيئته الذي قد ينطق بكلامٍ يخالف سرديته.

 

في واحدة من أبرز حروب الصورة، احتكرت الولايات المتحدة في حرب  تحرير الكويت عام 1991 التغطية الإعلامية التي لزمتها لشبكة "سي إن إن" المرتبطة بالاسخبارات، تداول العالم كله آنذاك المعلومات الصور التي تبثها الشبكة الأميركية. ثلاثة عناوين كبرى اندرجت تحتها الصور المبثوثة: قوة أميركا المدعومة بتحالف دولي، أرتال من المدرعات والشاحنات العراقية المدمرة في الصحراء ومجموعات من الجنود العراقيين المهزومين التائهين. ولعل الصورة الأكثر تعبيراً كانت صورة الجندي العراقي الذي يقبل قدم الجندي الأميركي ليبنجو. انتهت الحرب وبدأت الصور الحقيقية تظهر الدمار الهائل الذي لحق بالبنى المدنية في العراق، ولاسيما منها الجريمة التي لم تحظ باهتمام انساني يوازي حجمها في ملجأ العامرية في بغداد الذي دمر على رؤوس مئات العائلات التي احتمت به، فقتل من أفرادها أكثر من 700 إنسان جلهم من النساء والأطفال.

 

في عدوان نيسان/أبريل 1996 على لبنان ارتكبت إسرائيل الكثير من المجازر، في مدينة النبطية وبلدة المنصوري وغيرهما، وطافت صور الاطفال المقطعة رؤوسهم والممزقة أجسادهم العالم، لتتوج تلك المجازر بمذبحة قانا حيث قتل أكثر من مئة طفل وامرأة في مقر للأمم المتحدة. تلك الصور سرعت الضغوط الدولية على رئيس الحكومة الإسرائيلية (اليساري) آنذاك شيمون بيريز لوقف الحرب الوحشية.

 

بالعودة إلى الحرب الحالية، تعتمد الولايات المتحدة واسرائيل استراتيجيتين متشابهتين للصورة مترافقتين مع شرحين متماثلين يقدمهما دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو المزهوان بقوتهما العسكرية. تركز الصورتان على تضخيم خطر العدو، مستخدمتين في الحال الإيرانية على الصور التي كان ينشرها الإيرانيون أنفسهم عن منشآتهم النووية وعن صواريخهم القادرة على الوصول إلى قلب أوروبا وربما إلى اميركا لاحقاً، وعلى خطٍ مواز على قدراتهما وتفوقهما العسكري على عدوهما عبر بثٍ متواصل لصور الغارات على المراكز العسكرية والحيوية في إيران كتدمير مقر اجتماع المرشد مع معاونيه الكبار ومقتلهم جميعاً.

الصورة الاسرائيلية والاميركية هي تأطير لرمزية القوة، هي صورة للتفوق العسكري لا مكان فيها للدموع والخوف والعواطف والمواقف الإنسانية والضعف. لا صور لأشلاء وجثث. في الجهة المقابلة يدخل تأطير الحالة الإنسانية كمحفزٍ للغضب لا للخوف، عندما لا تملك الطائرة أو الصاروخ للتصدي للطائرة المعادية تواجهها بالاستمالة العاطفية للرأي العام المحلي والعالمي. تصبح الجثامين سلاحاً يعمل جنباً إلى جنب مع الصورة المثبتة على المسيرة الصغيرة التي تنقضّ على الجنود الإسرائيليين المتمركزين في القرى الحدودية التي احتلوها بعد تدميرها كلياً. مشهد الدمار نفسه في الخيام وبنت جبيل والقنطرة وميس الجبل وعيتا الشعب وغيرها، يستخدمه الإسرائيلي لإظهار قدرته التدميرية وتهديد بقية القرى به، ويستخدمه "حزب الله" للدلالة على وحشية الإسرائيلي وعدم جدوى التفاوض على السلام معه.

 

الحدث الواحد تنقله الكاميرات في صورتين متناقضتين تماماً. من جهة طائرات وصواريخ تستهدف مواقع عسكرية ومؤسسات حيوية تظهر الدقة والقوة التدميرية مثيرة الخوف، ومن جهة ثانية منشآت مدنية وضحايا نساء وأطفال وتلاميذ مدارس تظهر العدوانية والإجرام مثيرة الغضب و التعاطف الإنساني.

 

الصورة في المحصلة هي بناء دليل على ما حدث، لكنه دليل قد يكون خادعاً تبعاً للزاوية والتوقيت والوسيلة المستخدمة والتكرار والتعليق المرافق. لكنها أيضاً أداة استثارة عاطفية وتضليل وتلاعب بالأعصاب. الحرب ليست فقط بالمدافع والصواريخ والمسيرات والطائرات.  

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها