سوق العمل الخليجية في مرحلة إعادة التشكّل: نموذجان مختلفان وهدف مشترك

كتاب النهار 01-05-2026 | 06:23

سوق العمل الخليجية في مرحلة إعادة التشكّل: نموذجان مختلفان وهدف مشترك

في الإمارات، لا يُعَاد تنظيم سوق العمل بقرارات إدارية فحسب، بل يُعَاد تصميمها أيضاً بوصفها بنية تحتية اقتصادية قائمة بذاتها.
سوق العمل الخليجية في مرحلة إعادة التشكّل: نموذجان مختلفان وهدف مشترك
بيئة العمل في الخليج. (فريبيك)
Smaller Bigger

لم يعد التحول في الخليج مجرد انتقال من اقتصاد النفط إلى اقتصاد ما بعد النفط، بل أصبح إعادة تعريف جذرية للعمل نفسه: من يعمل، وكيف يعمل، ولأي غاية اقتصادية؟ 

إنها لحظة مفصلية يُعَاد فيها رسم العلاقة بين الدولة والسوق والإنسان. في قلب هذه اللحظة، يبرز نموذجان لا يتنافسان، بل يكشفان عن مسارين مختلفين نحو الهدف ذاته: دولة الإمارات العربية المتحدة تبني "منصة عالمية للعمل"، فيما تسعى المملكة العربية السعودية إلى هندسة "قوة عمل وطنية" – وذلك بهدف مشترك يتمثل في بناء اقتصاد يناسب مرحلة ما بعد النفط، ويستند إلى رأس مال بشري منتج وقادر على المنافسة عالمياً، وعلى توليد قيمة مستدامة في ظل التحول نحو الاقتصاد الرقمي والمعرفي.

في الإمارات، لا يُعَاد تنظيم سوق العمل بقرارات إدارية فحسب، بل يُعَاد تصميمها أيضاً بوصفها بنية تحتية اقتصادية قائمة بذاتها. الدولة التي تستهدف مضاعفة مساهمة الاقتصاد الرقمي في ناتجها المحلي من 9.7 إلى 19.4 في المئة خلال عقد واحد من الزمن، لا تبحث عن وظائف جديدة فحسب، بل عن أنماط جديدة للعمل. لذلك، تتوسع في أنظمة الإقامة المرنة، والعمل الحر، والعمل عن بُعد، وتُشرّع تعددية غير مسبوقة في تصاريح العمل: 13 نوعاً تعكس تفكيك النموذج التقليدي للوظيفة الثابتة.

هذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل تحوّل في فلسفة الاقتصاد: من سوق تستورد العمالة إلى منصة تستقطب المواهب. ومن اقتصاد يعتمد على الموقع الجغرافي إلى اقتصاد يراهن على القدرة على جذب رأس المال البشري العابر للحدود. في هذا السياق، لا يُصبح الذكاء الاصطناعي قطاعاً إضافياً، بل محركاً لإعادة تشكيل السوق بأكملها، مع تقديرات تشير إلى أن مساهمته قد تصل إلى نحو 14 في المئة من الناتج المحلي بحلول عام 2030، من ضمن مكاسب إقليمية تُقدَّر بـ320 مليار دولار.

غير أن هذا الانفتاح ليس بلا حدود. فالإمارات، التي نجحت في أن تكون نقطة جذب للمهنيين العالميين، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على جاذبيتها الدولية من دون أن تُهمّش حضور مواطنيها في القطاع الخاص؟ هنا تظهر مقاربة مزدوجة بوضوح – انفتاح إلى أقصى حد على الخارج، في مقابل محاولات متدرجة لتعزيز التوطين في الداخل. إنها ليست مفارقة، بل إدارة واعية للتوازن بين اقتصاد عالمي ومجتمع وطني.

 

شركة في الإمارات. (فرانس برس)
شركة في الإمارات. (فرانس برس)

 

في المقابل، تسلك السعودية طريقاً أكثر مباشرة. لم تعد السعودة مجرد سياسة تشغيل، بل مشروعاً لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن والسوق. الأرقام تعكس هذا التحول: بطالة عند 3.5 في المئة إجمالاً، و7.2 في المئة بين السعوديين، وقرابة 2,5 مليون مواطن يعملون في القطاع الخاص؛ هي مؤشرات لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة.

لكن هذه الأرقام ليست سوى الوجه الظاهر لتحول أعمق. لا تكتفي السعودية بتشغيل مواطنيها، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الطلب على العمل نفسه. رفع نسب التوطين في قطاعات مثل التسويق إلى 60 في المئة، وتوسيع التوطين ليشمل عشرات المهن، واستهداف توليد أكثر من 340 ألف وظيفة جديدة – كلها مؤشرات إلى انتقال السياسات من إدارة البطالة إلى إعادة بناء السوق.

لا يكمن التحوّل في القوانين وحدها، بل في استثمار القطاعين العام والخاص الكثيف في المهارات. لذلك، لم يكن توسع برامج التدريب والدعم – التي ساهمت في توظيف أكثر من 562 ألف مواطن خلال عام واحد ووصلت إلى ملايين المستفيدين – تفصيلاً مكملاً، بل شرطاً لنجاح المشروع برمته. ليست السعودة، في جوهرها، سياسة توظيف، بل سياسة بناء إنسان اقتصادي جديد.

في المحصلة، ما يجري في الخليج ليس إصلاحاً لسوق العمل، بل إعادة تعريف لموقع الإنسان في الاقتصاد. بين نموذج "المنصة المفتوحة" ونموذج "الدولة الوطنية"، لا تستهدف السياسات تعزيز التوظيف بقدر ما يتعلّق بصياغة علاقة جديدة بين العمل والقيمة. 

في هذه المعركة الصامتة، لم تعد المسألة تدور حول توفير الوظائف، بل حول القدرة على إعادة تعريفها.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها