بغداد الأزل بين الجد والهزل

كتاب النهار 30-04-2026 | 04:05
بغداد الأزل بين الجد والهزل
"بغداد الأزل بين الجد والهزل" هو عنوان مسرحية ألفها وأخرجها قاسم محمد عام 1974. كانت تلك المسرحية نبؤة بما ستعيشه بغداد استناداً على ما عاشته في أزمنتها الغابرة.
بغداد الأزل بين الجد والهزل
عراقيون يجلسون في مقهى «شهابندر» الشهير بشارع المتنبي في بغداد. (أ ف ب)
Smaller Bigger

كلما كتبت شيئاً عن بغداد التي ولدت في مركزها (ساحة الطيران) أشعر بأني أكتب عن مدينة لم تعد موجودة.

صحيح أن المدينة التي أصبحت عاصمة للعراق الحديث تعرّضت عبر تاريخها لغزوات همجية، محت الجزء الأكبر من بنيتها المعمارية والثقافية، غير أنها إلى سنوات طفولتي ظلّت ممسكة بخيط نجاتها المتمثل بأخلاق سكانها وقيمهم الاجتماعية وعاداتهم وتقاليد العيش المشترك، التي أهّلتهم أن يكونوا أبناء مدينة تخلّصت من منظومة الأفكار القبلية، وصارت توثق انتماءها إلى العصر الحديث من خلال المواقع التي تحتلّها نساؤها في الدولة كما مشهدهن في الشارع.

بسبب النظام الإقطاعي "نبلاء الريف الجهلة"، اضطر الكثير من سكان الجنوب، وهم مزارعون، إلى الهجرة إلى العاصمة، ولكنهم سكنوا في محيطها. بنوا قرى من الطين صارت تكبر، غير أنهم لم يجرؤوا على اختراق الحدود. لم يكن في إمكانهم أن "يتبغددوا" بيسر، في حين أن الأرمن حين هاجروا مضطرين إلى العراق، واستقرّ جزء منهم في بغداد، كانوا قد أسّسوا حيّاً راقياً يُسمّى كمب الأرمن. كان ذلك الحي مثالياً في استجابته لشروط العيش البغدادي. أما ريفيّو الجنوب فإنهم ظلّوا منكفئين على ثقافتهم القبلية المهترئة، يقيمون في الهامش الجغرافي لمدينة تخيفهم.

حين انتقل العراق من العهد الملكي إلى العهد الجمهوري تم تفعيل الخطاب الشعبوي بقوة العسكر. فقدت بغداد يومها نفوذها الأخلاقي المستلهم من رقي سلوك أهلها. كانت هناك معادلات سياسية لا ترى في التبغدد إلا نوعاً السلوك المتعالي. لقد أتاح انقلاب الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1958 لنائب عريف اسمه حسن سريع بإعلان الانقلاب على الدولة عام 1963. تلك هي الفوضى التي عاشها العراق في خضم تدفق موجات من الريفيين إلى عاصمتها، واستيلاء العسكر على السلطة المركزية فيها، ولم يكن واحد منهم بغدادياً.

كانت لبغداد لغتها. وهي لغة رقيقة عذبة، فيها إيقاع موسيقي مهذّب مما أضفى على بنيتها نوعاً من الغنج والعذوبة. ومن له خبرة في الإنصات إلى أغاني ناظم الغزالي ورضا علي وعفيفة إسكندر ومائدة نزهت ويوسف عمر لا بدّ له من أن يُدرك أن البغداديين لم يكونوا ميّالين إلى البكاء. في أسوأ الأحوال، يقول ناظم الغزالي "تصبح على خبر/ تضوي أيامك/ بإمان الله/ اتهنه بأحلامك". لذلك، فإن كلّ ما يُقال عن بكائيات العراقيين إنما هو مستلهم من النواح الريفيّ، الذي ساد في سبعينيات القرن الماضي، بعدما أزاح الريفيون أهل بغداد عن مكانهم بقوة السلطة.