"سلام" لبنان وإسرائيل والمبادرة العربية

كتاب النهار 27-04-2026 | 04:40

"سلام" لبنان وإسرائيل والمبادرة العربية

يستند الاندفاع الأميركي والإسرائيلي إلى التفوّق العسكري لفرض شروط المنتصر وتطبيق مصطلح "السلام بالقوّة"، من دون أي اعتبار لما يخلّفه من انعكاساتٍ على المنطقة التي لا ترى أميركا وإسرائيل بالمنظار نفسه.
"سلام" لبنان وإسرائيل والمبادرة العربية
الرئيس اللبناني جوزف عون مستقبلاً وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان. (أرشيف)
Smaller Bigger

اجتماعان تمهيديان في البيت الأبيض والخارجية الأميركية على طريق التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل. دونالد ترامب يكرّر قبلهما وبعدهما دعوته إلى لقاءٍ بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، متجاهلاً ما سمعه من وسطاء ومستشارين من أن الظروف لم تنضج بعد للقاء كهذا، وأن لبنان حدّد للتفاوض هدفاً هو إنهاء الحرب وحلّ المعضلات التي خلّفتها.

 

أما بنيامين نتنياهو فيعتبر أن مساراً لتحقيق "سلامٍ تاريخي" بين إسرائيل ولبنان قد بدأ، ويضعه في سياق هدف "تغيير الشرق الأوسط" الذي يسعى إليه. ومع أن ترامب ونتنياهو وظّفا موافقتهما على التفاوض لـ"الفصل بين لبنان وإيران"، إلا أن قفزهما إلى "اتفاق سلام" كنتيجةٍ نهائية ينطوي على حرقٍ للمراحل وتخطٍّ لأطنان من التفاصيل، كما أنه يهمّش الأبعاد الإقليمية والجيوسياسية لهذا "السلام" المنشود، ولا يقيم وزناً لتداعياته على الداخل اللبناني.

اندفاع أميركا وإسرائيل يستند إلى التفوق العسكري


يستند الاندفاع الأميركي والإسرائيلي إلى التفوّق العسكري لفرض شروط المنتصر وتطبيق مصطلح "السلام بالقوّة"، من دون أي اعتبارٍ لما يخلّفه من انعكاسات على المنطقة التي لا ترى أميركا وإسرائيل بالمنظار نفسه، رغم أن التواطؤ بينهما لم يبلور حتى الآن أي "نموذجٍ سلمي" حقيقي: ففي قطاع غزّة يواصل نتنياهو تخريب ما احتفل ترامب بتحقيقه قبل أكثر من ستة شهور، ولا تزال "خطّته" تتلكأ فيما تستغل إسرائيل عامل الزمن لاستثمار مفاعيل التجويع والإبادة ضد الفلسطينيين.

 

وفي سوريا التي تخلّصت من وجود إيران و"حزبها"، بنت واشنطن مصالح أمنية مع النظام الجديد، خصوصاً في مكافحة إرهاب "داعش"، وأخذت في الاعتبار الاحتضان العربي والإقليمي له فلم تشترط عليه توقيع "اتفاق سلام" مع إسرائيل، بل اضطرت لممارسة أقصى الضغط كي توقف إسرائيل تدخّلاتها واعتداءاتها وتتفاوض مع دمشق، لكنها أخفقت في إقناعها بقبول اتفاق "عدم اعتداء" أو أي اتفاقاتٍ أمنية يُفترض أن تتضمّن انسحاباً إسرائيلياً من أراضٍ سورية خارج الجولان المحتل. 

 

إلحاح يستفرد بلبنان لفرض "السلام بالقوة" عليه

ماذا عن لبنان؟ من الواضح أن أميركا وإسرائيل، كذلك إيران و"حزبها"، تتعامل مع لبنان انطلاقاً من أنها ساهمت جميعاً في إضعافه بطرقٍ مباشرة وغير مباشرة. ومع أن الحكم اللبناني طلب التفاوض المباشر، إلا أن الإلحاح على لقاء الرئيس جوزف عون مع نتنياهو تخطّى الاستضعاف إلى الاستفراد بلبنان وفرض "السلام بالقوة" عليه، وسط تهديداتٍ جدّية في الكونغرس بوقف المساعدات للجيش اللبناني إذا لم يبادر الى نزع سلاح "حزب إيران". ويحاول الحكم اللبناني التملّص من أي ضغوط باستدعاء التزامه "المبادرة العربية للسلام". وهذا ما أعاد السعودية إلى ممارسة دورٍ توفيقي داخل لبنان، خصوصاً أن الرياض تُشهر أيضاً تلك "المبادرة" للتذكير بما يتوجب على إسرائيل حيال فلسطين قبل أن تستحق "التطبيع" معها. لكن هذه المبادرة، التي استوحتها مبادرات عربية ودولية لاحقاً، فقدت زخمها أولاً بسبب الرفض الفعلي لها اسرائيلياً وأميركياً، وتالياً بفعل الحروب التي أعقبتها طوال ربع قرن مضى منذ اعتمدتها القمة العربية في بيروت عام 2002.  


يمكن المواكبة السعودية للمفاوضات اللبنانية أن تكون مؤثّرةً في واشنطن، لكن أصبح من الملحّ تفعيل التفاهم الاقليمي (السعودية ومصر وتركيا وباكستان) لرعاية مصالح لبنان وغيره من دول المنطقة في مواجهة خياراتٍ ترامبية لا تبدو مدروسة أو واقعية، وعلى الأخصّ عقلنة ترتيبات المرحلة الاقليمية المقبلة وعدم تركها لنزوات نتنياهو وعصابته، أو لمشروعٍ إيراني لم تعد طهران قادرة على تحقيقه بمجرد الاعتماد على ترسانات أسلحةٍ سلّمتها إلى ميليشيات خارج الدولة. ولعل ما يحتّم على الرباعي العربي- الإسلامي تزخيم دوره أن توجهاته تحظى بقبول دولي واسع، ولا تشكّل أي تحدٍّ لأميركا- ترامب، لكنها مدعوة إلى تحركٍ عاجل لمنع الاستفراد بلبنان. فالمقاربة الحالية للبنان، كما تبدو في اجتماعات واشنطن، لا تنبئ بأن "السلام" هدف حقيقي، بل مجرد إفراز للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

 

ترامب الذي أعلن الهدنة ألغى مفاعيلها


أقصى ما أمكن تحقيقه، حتى الآن، هو وقف - غير فعلي - للنار في جنوب لبنان. لا التزام من جانب إسرائيل، ولا من جانب إيران و"حزبها". لم يمرّ يوم في هدنة الـ10 أيام من دون ضحايا ودمار، وهي حال لن تتغير في أسابيع التمديد الثلاثة، لأن ترامب الذي أعلن الهدنة ألغى مفاعيلها، إذ ربطها باستمرار إسرائيل في مزاولة "حقّ الدفاع عن النفس". وبالتالي غدا الانتهاك الدائم للهدنة وصفة لمفاوضاتٍ بالغة الصعوبة: أولاً، لأنها ستُجرى بتجاهلٍ تام لشرط لبنان أن تبدأ مع وقفٍ ثابتٍ للنار. وثانياً، لأن استجابة المطالب اللبنانية مرتبطة بتقدّم الدولة في نزع سلاح "الحزب". وثالثاً، لأن ترامب كما نتنياهو يتعجّلان التوصل إلى "اتفاق سلام" رغم أن لا مقدمات ولا معطيات تشير إلى أن الظروف مهيّأة لإبرامه، سواء بسبب معضلة "سلاح الحزب" والإشكاليات التي يثيرها في الداخل، أم لأن الشروط الإسرائيلية (- الأميركية) ليست مساعدة الآن ولن تكون لاحقاً.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
دوليات 4/26/2026 12:15:00 AM
جريمة صادمة في مكسيكو سيتي: مقتل ملكة جمال سابقة بـ12 رصاصة على يد حماتها