تمايز المواقف بين قاسم وقماطي والموسوي... تباين رؤى داخل الحزب أم توزيع أدوار؟
في الأيام القليلة الماضية بدا واضحاً أن أمر عمليات أعطته قيادة حزب الله لرموز ونواب منه، فحواه أن أطلقوا حملة إعلامية شرسة ضد الرئاسة الأولى رداً على إعلانها بأنها ليست في وارد التخلي عن تصميمها على المضي قدماً في المفاوضات المباشرة مع الإسرائيلي، وأنها ستذهب إلى حيث ترى مناسباً لبلوغ صيغة تخرج لبنان نهائياً من دائرة الصراع مع إسرائيل.
وبناء عليه أحصى بعض الراصدين نحو 15 موقفاً لـ15 نائباً وقيادياً في الحزب، كانت جميعها ذات فحوى واحد: أن المفاوضات المباشرة مرفوضة هي ونتائجها، لا بل إنها فعل خياني.
لكن اللافت أنه برزت في خضم هذا المشهد التجاذبي الساخن، مفارقة استدعت طرح التساؤلات عن الأبعاد والدلائل، إذ ظهر القيادي في الحزب نواف الموسوي ليذكّر بمصير الرئيس المصري الأسبق أنور السادات الذي اغتيل في عام 1982 على يد معارضين لاتفاق كمب ديفيد، فيما انبرى القيادي محمود قماطي (نائب رئيس المجلس السياسي للحزب) ليذكر بحبيب الشرتوني المحكوم باغتيال الرئيس بشير الجميل في صيف عام 1981.
وعليه ثمة من اعتبر موقفي الموسوي وقماطي بمثابة ذروة التصعيد والوعيد لرئيس الجمهورية، إذا ما أصر على المضي قدماً في مسيرة التفاوض المباشر مع الإسرائيلي.
من البديهي أن كانت ثمة تكهنات عدة حول الدوافع التي حدت بالحزب إلى سلوك هذا المسلك البالغ الخشونة تجاه الرئاسة الأولى، إذ اعتبره البعض أنه استتباع لمواقف سابقة حذر فيها الحزب من " فتنة داخلية لن تبقي ولن تذر"، إذا ما أصرت الرئاسة على السير بهذا المسير، فيما اعتبره البعض الآخر عملية متقنة نظمها الحزب للهروب من أزمة انعدام الخيارات التي وجد نفسه فيها بعد التقدم الميداني للجيش الإسرائيلي في العمق اللبناني ليقيم الحزام الأصفر المدمر والخالي من أي حياة، فما كان منه إلا أن أطلق اشتباكاً سياسياً مع الحكم.
لكن التطور الذي كان له وقع المفاجأة هو الموقف المرن والانفتاحي الذي أطلقه الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم تجاه الرئاسة الأولى، خصوصاً في إطلالته الأخيرة التي دعا فيها "إلى أقصى التعاون بفتح صفحة جديدة مع السلطة لمساعدتها على تحقيق سيادة وطننا".
وإزاء هذا الوضع انطلقت التساؤلات حول ما إذا كان هذا التمايز والتباعد في المواقف بين الشيخ قاسم من جهة وبين الموسوي وقماطي من جهة أخرى، وخصوصاً عما إذا كان يعكس تبايناً في الرؤى في داخل الحزب أم أنه توزيع أدوار تستلزمه المرحلة الصعبة؟
العارفون ببواطن الحزب يرجحون الفرضية الثانية، إذ أنه سبق لقاسم أن أطلق دعوة تصالحية مماثلة للرئاسة الأولى من باب تخليصها من الضغوط التي تمارس عليها لأخذ المواقف الخلافية، لكنها (الرئاسة) أبت أن تتلقف هذه الدعوة، والتي اعقبتها إطلالة مباشرة من عون جاهر فيها بأنه ليس في وارد العودة إلى الوراء، وأنه ماض بما بدأه، لذا بدا الحزب وكأنه يدخل إلى الموضوع من باب مختلف، يذكّر فيه من يعنيهم الأمر بأنه يملك "زنوداً"، وهو في الوقت نفسه منفتح على عقد مصالحة.
والسؤال هو ماذا بعد في جعبة الحزب من خيارات إذا ما أصرت الرئاسة الأولى على المضي في خيارها ورفضت.
نبض