حين يفقد النفط معناه… هل يفقد لبنان نفسه؟
النفط شكّل عماد الإستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط، ويرسمها اليوم في سياق تحوّلات عميقة نحو اقتصاد الطاقة النظيفة. نعيش حقبة إعادة توزيع القوة وتحديدها على مستوى العالم. فالحرب الدائرة محطة تأسيسية تعيد تشكيل خرائط الشرق الأوسط والعالم، وفي تداعياتها تستحضر أزمة غاليبولي 1915. باكستان تظهّرت، وأوروبا تراجعت، والولايات المتحدة بدت غير قادرة وحدها على حل مسألة حرب أنتجتها.
تاريخيا، النفط نقل منطقتنا من هامشٍ إمبراطوري إلى قلبٍ استراتيجي لا غنى عنه للنمو الصناعي والقوة العسكرية. أميركا أعطت الأولوية لضمان تدفّقه، وأمن الممرات، واستقرار الأنظمة. فصارت منطقتنا قلب الإمبراطورية الأميركية، ولكن بثمنٍ: تراجع الشرعية السياسية، وتآكل الديموقراطية، وتهميش حق الشعوب في تقرير مصيرها (فوّاز جرجس، 2016). صممت أنظمة وأيديولوجيات استخدمت في توازنات الحرب الباردة، وها قد تحوّلت اليوم إلى عبءٍ بنيوي على الاستقرار والنمو.
ومن غير المثبت أنّ النفط كان سببا في نشأة إسرائيل، إلا أنّه حتما وفّر الإطار الجيوسياسي الذي حماها ودمجها في النظام الإقليمي القائم على أولوية أمن الطاقة، وليس على خلفية شرعية مؤسسية وسلام مستدام. ومع الوقت، أعادت تعريف موقعها، فانتقلت من ثقل الصراع العربي - الإسرائيلي إلى شريكٍ استراتيجي ضمن منظومة المصالح الغربية، ثم إلى مركزٍ متقدّم في الثورة التكنولوجية الرابعة. غير أنّ التفوّق التكنولوجي لا يعوّض خسارتها لمشروعيتها الأخلاقية، على أثر انتهاكاتها في غزة ولبنان.
مساء الجمعة، أعلن الرئيس أننا أمام مرحلة "الانتقال إلى العمل على اتفاقات دائمة"، مؤكدا أنه بذلك سيحفظ لبنان. بلد ما عاد ما كان عليه بالأمس، فالدولة تثبت أنها تحررت من الحزب، وتحاول استعادة وجودها ومعناها.
ندخل المفاوضات اليوم والبلد في تصدع. تقلقك مشاهد صادمة من هنا تقابلها مشاهد صادمة من هناك، مما يؤشر إلى بنية ما عاد ممكنا ترميمها. ثمة مرحلة عدم يقين تظهر حيث ستسطر قواعد جديدة ستستهلك دماء، أخشى!
ثمة تضاد في النظرة إلى البلد أضحت نافرة، بحيث أنّ لبنان أمسى يفتقر إلى لبنانيين. انحسار العقل والمساحات الوسيطة التي ضمنت بقاء البلد لا تطمئن، والتاريخ يعلّمنا أن التفكك حين يبلغ هذه المرحلةً لا يعود سليما.
تحوّلات المنطقة تسطّر تفاهما أميركيا - إيرانيا، ولبنان الذي فقد معناه يعود إلى الواجهة. ثمة فرصة حقيقية لإعادة بنائه شريطة استعادته المغزى، وهذا يتطلب توافقا وعملا وصياغة للعقد الاجتماعي. علينا ابتكار هدف جديد لجدوى وجود البلد في خضم نظامٍ إقليمي وعالمي يتغيّر، أما النمو فيأتي في إطار المغزى واستجابة لمتطلبات المحيط وحاجاته، وإلا حروب ومجاهل جمهورية وموت وديون!
نبض