جوزف عون قال كلمته بعد تردد: لا مكان للحزب والحرب بل للسلام
قيل عن رئيس الجمهورية جوزف عون منذ أن بدأت الحرب على لبنان، إنه تريث كثيراً في توجيه كلمة إلى اللبنانيين، من موقعه رئيساً للبلاد، في ظروف كانت الأقسى والأخطر. وانتُقد مراراً على عدم مصارحتهم والرد على الاتهامات التي كيلت في وجهه واستهدفت الجيش واتهمت قائده بالتراخي أو التواطؤ مع "حزب الله".
وعلى الرغم من كل النصائح التي تلقاها من فريقه الاستشاري أو من زواره، بقي عون على صمته، متقبلاً بانزعاج واضح الانتقادات التي يرى أنها ظلمته إلى حد كبير، وظلمت القيادة العسكرية.
في تفسيره لتلك الانتقادات، أنها تأتي في سياق حملات ممنهجة تستهدف موقع الرئيس للضغط على قراراته. ويصبّ في سياقها استهداف قائد الجيش، الموجّه في الواقع والأساس إلى الرئيس.
انسحاب الجيش من جنوب الليطاني بعد انتشار ١٠ آلاف عنصر، لا يُقرأ هروبا أو تنصلا من المسؤولية، أو تغطية على الحزب وسلاحه. فالجيش توجّه إلى الجنوب بأمر من القيادة السياسية على طاولة مجلس الوزراء، وانسحب منه بناء على قرار مماثل، تلافيا لأيّ مواجهة مع الجيش الإسرائيلي توقع خسائر فادحة في الأرواح، وتجرّ احتلالا لمواقع وثكنات عسكرية واتخاذ أسرى، ما يضع لبنان في موقع تفاوضي ضعيف جداً ويفقده أي ورقة في يده.
أما الانتقادات لكلامه من بكركي عن إصلاح القسطل، فتستغرب بعبدا كيف يمكن الوقوف عند كلمة من دون مقاربة القصد منها، وما يعنيه انقطاع الشريان المالي الأساسي والحيوي الوحيد الذي يروي بلدات جنوبية عدة قرر أهلها البقاء والصمود فيها.
لم يكن عون يرى في الرد على أيّ من الانتقادات إفادة، وهو توقع أخيراً أن تستمر الضغوط والهجمات السياسية والإعلامية ضد الدولة، واصفاً إياها في رد مباشر على مطلقيها، بأنها "الثمن الطبيعي لاستعادة لبنان قراره للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن".
التوصل إلى الاتفاق على وقف النار
لذلك فقد قرر ألا يتحدث إلا عندما يصبح اللبنانيون جاهزين للاستماع، وعندما يصبح للكلام جدوى، من دون أن يعني ذلك أن السكوت لم يترافق مع حركة اتصالات ومشاورات كثيفة مع واشنطن وباريس وعواصم أوروبية وعربية تتقدمها الرياض، توّجها عون مع الرئيس الأميركي معلناً التوصل إلى الاتفاق على وقف النار، في التزام واضح بعدما القبول بالمفاوضات قبل ذلك.
وهذا ما حصل، فقد سحب ذريعة الحزب وحلفائه برفض التفاوض تحت النار، مستعيداً في كلمته ثوابت الدولة وسيادتها على قراراتها، ومؤكدا حصر السلاح والتفاوض في يد السلطة الشرعية، وأن لا اتفاق يمس بلبنان ومصالحه.
الصمت على الانتقادات والحملات التي استهدفت الموقع الدستوري الأول، لم يمنع الرئيس من إطلاق بعض المواقف أمام زواره، في مواكبة منه للمرحلة وتطوراتها، كان أبرزها تشديده على نقاط ثلاث: لا فتنة داخلية وتهديد للسلم الأهلي، واليد التي ستمتد عليه ستقطع، لا قبول أو غطاء للحزب في حربه مع إسرائيل، ومع استعادة الاستقرار والسلام، بكل ما يتطلبه ذلك من تواصل مباشر غير مسبوق مع العدو لإطلاق مسار التفاوض.
حسم عون في خطابه إلى اللبنانيين كل "ملابسات" أيام الحرب، ورد على منتقديه بتأكيده عدم تراجعه أمام "الإهانات والانتقادات والتجني والأضاليل". ورسم خريطة الطريق للمرحلة المقبلة عبر تجديده تأكيد الثوابت التي اختارها:
- لبنان لم يعد ورقة في جيب أحد، ولا ساحة لحروب الآخرين، في استعادة واضحة للقرار السيادي وفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، وعدم التعامل مع الحزب على أنه مقاومة، بل فريق مسلح يستدرج لبنان إلى الحرب.
- لا اتفاق يمس الحقوق اللبنانية أو ينتقص من كرامة الشعب أو يفرط بالأرض، في تعبير عن رفض تقديم التنازلات، بدعم ممن كان له الدور الأبرز في الوصول إلى وقف النار: أميركا والسعودية.
قال عون كلمته، ووضع نفسه على طريق شاقة ومحفوفة بألغام داخلية وخارجية، لن تقل خطورة عما سبقها، لكنها على الأقل واضحة المسار والأفق.
نبض