هل يغير "حزب الله" سلوكه بعد وقف النار؟
من بين كل نواب "حزب الله" ورموزه القيادية، انفرد نائب مرجعيون علي فياض بتقديم تشخيص دقيق لما سيكون عليه الوضع في مرحلة ما بعد وقف النار المحدود زمنياً على جبهة الجنوب، والذي سرى خلال الساعات الماضية، عندما قال في تصريح "إن المرحلة المقبلة شائكة ومليئة بالألغام والتحديات"، موضحاً أن "التحدي الأكبر يتمثل في ذهاب الدولة إلى طاولة المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين".
لذا ركز على دعوتها إلى التراجع، والتمسك بالمفاوضات غير المباشرة، معلناً جاهزية الحزب "للتفاهم مع الحكومة على نقاط عالقة منها السلاح"، ومكرراً التحذير من مخاطر الإصرار على المفاوضات المباشرة لأنها "تقود إلى مسار تصادمي داخلي". ولوّح بأن "أسوأ سيناريو للبنانيين هو الوصول إلى اقتتال داخلي".
كان فياض يقدم رؤية استشرافية هادئة يبدو جلياً أن الحزب سيعتمدها مستقبلاً بعد حرب الـ45 يوماً التي خاض غمارها، كما ستنطوي على الخطوط العريضة لمقاربة الحزب الجوهرية للمرحلة المقبلة الحافلة بـ"العقد والمثقلة بالألغام".

هذا الإقرار من جانب فياض هو بمثابة برهان على أن الحزب يقرّ ضمناً بصعوبات مرحلة ما بعد سريان وقف النار، إلا أنه في الوقت عينه يؤكد أنه لا يملك بعد رؤية ومقاربات جديدة ونهائية للوقائع التي فرضها الوضع المستجد بعد حرب ضروس أنتجت كوارث على بيئته، وبعد تطورات سياسية مفصلية متسارعة حدثت تحت وطأة الحرب، تجسدت في مجاهرة الرئاسة الأولى مدعومة من الرئاسة الثالثة، بالشروع في تفاوض مباشر مع الإسرائيليين برعاية مباشرة من الرئاسة الأميركية، التي ما لبثت أن أعلنت بلسان صريح أنها لا تنتظر نتائج الجلسات الطويلة لهذا الحوار الذي كانت أولاها الثلثاء الماضي في مقر الخارجية الأميركية، بل هي راغبة في استعجال قطف ثماره من خلال كشفها عزمها على تنظيم عقد لقاء مباشر قريب يجمع الرئيس اللبناني جوزف عون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مقدمة لإنهاء الصراع والعداء بين لبنان وإسرائيل.
وعليه، فإن النائب فياض كان الأكثر توجساً من مخاطر المرحلة المقبلة وجسامة ما ينتظرها من تطورات وتداعيات، والأكثر وعيا لمخاطرها على الحزب خصوصا، وهو يركز على تحذير الحكم من المضي العاجل إلى المفاوضات المباشرة مع الإسرائيلي، غير آبه باعتراض المعترضين. ومعلوم أن الحزب مهّد لذلك بلسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم وقيادات أخرى فيه عندما أعلن صراحة أنه غير معني إطلاقا بهذه المفاوضات وليس في وارد التزام مخرجاتها وما يمكن أن تتمخض عنه من تسويات وتفاهمات.
وعلى تلك الموجة، أعاد فياض دعوة الحكومة إلى إبرام تفاهم معه لمعالجة النقاط العالقة، يكون المدخل الحصري إليه هو التراجع عن التفاوض المباشر مع الإسرائيلي، محذراً من أن ذلك سيقود إلى "مسار تصادمي داخلي"، وهو نسخة طبق الأصل من تحذيرات مماثلة سبق لرموز الحزب أن أطلقوها، واعتبرها خصومه تهديداً بالذهاب إلى فتنة داخلية واللجوء إلى الشارع إعداداً لانقلاب يمهد لإطاحة الحكومة، وهي تجربة سبق للحزب أن توسلها في محطات عدة أبرزها 7 أيار 2008.
كل ذلك يؤكد أمراً أساسياً، هو أن الحزب ليس في وارد تبديل أدائه وسلوكه أو تغيير خطابه السياسي تحت وطأة ما حدث من تطورات جسام، وأنه استتباعاً وضع في قائمة حساباته المضي في مواجهة كان بدأها مع الحكم لحظة كشف عن عزمه "كسر تابو التفاوض مع الإسرائيلي" والمضي إلى مفاوضات مباشرة تكراراً لتجربة مفاوضات عامي 1982 و1983، ولكن هذه المرة إلى معاهدة سلام وتطبيع بدل اتفاق على غرار اتفاق 17 أيار.
نبض