حسابات من ماضٍ قاتل... ومقتول!
قد يكون من السذاجة البالغة الخطورة إسقاط احتمال إقدام "حزب الله" على الارتداد بسلاحه إلى الداخل على غرار سقطاتٍ تاريخيّة ارتكبها سابقاً، وباتت في نظر معظم الفئات اللبنانية تختصر مساره وتنزع عنه أي صفة "مناضلة" حتى المقاومة ضد إسرائيل نفسها.
هو الأمر الذي يتعين على الرئيسين جوزف عون ونواف سلام ومعهما، وإلى جانبهما، القوى السياسية المناوئة لاتجاهات الحزب وارتباطاته وسياساته وممارساته المتجاوزة الدولة، وكل الإجماع اللبناني على رفض حروبه، إبقاء خطر إشعال الاضطرابات والفتن في صدارة الاحتمالات المقبلة بعدما أصبحت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التطور الاستراتيجي الأساسي الذي يحتل المرتبة الثانية في أولويات الشرق الأوسط، بعد المفاوضات الأميركية- الإيرانية بوتيرةٍ سريعة أفضت إلى عقد جولتين تمهيديتين للمحادثات اللبنانية- الإسرائيلية في واشنطن هذا الأسبوع.
آلية هرمة عتيقة
مع ذلك تبدو نزعة التهديد بالقوة المسلحة الترهيبية أو نمطيته للداخل السلطوي والسياسي والطائفي أيضاً، كأنها استحضار لآليةٍ هرمة عتيقة لفظها العصر، حتى لو في بلدٍ يعاني آفة الدول الفاشلة التي يعيد التاريخ فيها نفسه كسمةٍ من سمات التخلف والتعصب.
زمن الثمانينات من القرن الماضي عندما أسقط النظام السوري وتحالف الأحزاب والقوى الفلسطينية واللبنانية واليسار آنذاك اتفاق 17 أيار/مايو، ذهب إلى غير رجعةٍ مع انتهاء كل عصر الوصاية السورية ونهاية النظام الأسدي.
وزمن انتفاضة 6 شباط/فبراير 1984 في بيروت الغربية تستحيل استعادته مع تحول رموزها منذ عقودٍ إلى أركان دولة الطائف. واجتياح 7 أيار 2008 الدموي الذي قام به "حزب الله" لبيروت الغربية صار من الجنون النهائي مجرد التفكير به لأنه سيضع الحزب إن تراءى له الجنون مكسباً، في مواجهة القوى المسلحة اللبنانية قاطبةً هذه المرة بلا هوادةٍ، كما سيعني بكل خطورة دفع فئاتٍ لبنانية عديدة إلى السلاح والشارع في وجهه.
عزلة الحزب
والأهم من كل ذلك، فإن واقع الحزب وداعمته إيران، بعد الحروب التي خاضاها في السنوات والأشهر الأخيرة، وما آلت إليه في مواجهة أميركا وإسرائيل والدول الخليجية قاطبة مباشرة، قلبت كل قديمٍ وأسقطته بما سيعني ببساطة أن أي اعتمادٍ لأي حسابات أو سياسات أو ممارسات نمطية سابقة على خلفية الاستقواء بما بقي من قوة لديهما في الشارع اللبناني، ستعني ركوب موجةٍ كارثية لن تقاس تداعياتها بتداعيات الحرب المباشرة مع أعدائهما.
وتبعاً لذلك، يغدو من الأهمية بمكانٍ أن يطلع من معسكر تمجيد الماضي لدى الحزب من يراجع النمط الكارثي الجاري تسويقه لدى بيئة الحزب في خطاب التهويل والتهديد والتخوين لكل الآخرين قاطبة، في نزعةٍ عنفية لن تقود إلا إلى مزيدٍ من عزلة الحزب وبيئته وتحفيز العدوانية المجانية والكراهية بلا أي أفق.
إن رفض المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية سيبقى أمراً مشروعاً للحزب حتى اللحظة التي تنكشف فيها أخطر أخطاء الحزب بعد أخطاء استدراجه للحرب، أي أن ينزلق إلى حريق الشارع والسلاح في الداخل اللبناني. ما يملي التنبيه الأكثر من عاجلٍ الى نزعةٍ نمطية "ماضوية" حتى لو كانت حسابات واقع الحزب وإيران توجب استبعاد سقطةٍ مماثلة، أن خطاب الحزب وإعلامه المباشر واللصيق، يعتمدان تصنيفاتٍ حربية بالكامل لكل من هو ليس "حزب الله" بتعميمٍ جنوني. جميع "الآخرين" إما صهاينة وإما خونة أو عملاء أميركا وإسرائيل، والسلطة هي سلطة العار.
بمثل هذا الاتجاه النمطي يواجه الحزب مفاوضاتٍ وواقعاً لم يكن ممكناً تصور حدوثهما لولا واقع ارتباطه بإمرة طهران ارتباطاً قاتلاً!
نبض