التفاوض اللبناني مع إسرائيل محكوم بالفشل
رئيس الجمهورية جوزف عون لا يتحمّل مسؤولية فشل التفاوض مع إسرائيل. هو مسؤول عن إطلاق أيّ مبادرة يمكن أن تفيد البلد وتنقذه من أتون الحرب القاتلة، والتي حصدت حتى تاريخه أكثر من 2000 ضحية (ما عدا مقاتلي "حزب الله") وأكثر من 6000 جريح، إضافة إلى خسائر مادية بعشرات مليارات الدولارات.
أطلق رئيس الجمهورية مبادرته للتفاوض، استجابة لنداء اميركي – دولي، مركّزاً في بندها الأول على "إرساء هدنة كاملة مع وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان براً وبحراً وجوّاً"، ثم البحث في بنود أخرى. وشدّد مع رئيس الحكومة نواف سلام على أن "لبنان يفاوض عن نفسه، ولا يفاوض عنه أحد"، ما يعني التمسك بقراره وسيادته، ورفض إعادته ورقة للتفاوض على طاولة الآخرين. وهذا موقف سيادي بامتياز.
التواصل المباشر الذي تتولاه سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، مع نظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، في وزارة الخارجية الأميركية، لا يرقى إلى مستوى التفاوض، إذ إنه "جسّ نبض"، وإظهار "حسن نيّة" أمام المجتمع الدولي، فلا يُتّهم لبنان بالعرقلة، وتُترك لإسرائيل حرية الحركة فيه، وقصفه وقتل أبنائه. اللقاء في واشنطن، يتضمن مطلب وقف النار أولاً، وهو ما ترفضه إسرائيل حتى الساعة، أي أنها تدفع إلى إفشال الخطوة الاولى. والسبب أنها تريد مواصلة الحرب بذريعة القضاء على "حزب الله"، وهي مستمرة ما دامت تحظى بغطاء أميركي. يريد لبنان نزع الذريعة منها، وهذا ما تفعله السلطة التنفيذية. وأمام الخطوات الوطنية السيادية، لا تهمّ كثيراً حملات التجنّي، وتلك الإساءات التي تنطلق عبر وسائل التواصل الاجتماعي من الجيوش الإلكترونية التي تجمع الشتّامين لقاء أجر زهيد، تناصرهم مجموعات من المتشددين والحاقدين وبعض عديمي الفهم.
التفاوض اللبناني - الإسرائيلي محكوم بالفشل لأسباب عدة نذكر منها:
1- أن لبنان لا يملك استراتيجية واضحة المعالم لأي عملية تفاوض، الخطة والمضمون والأهداف. وهذا الأمر لا يساعد في نجاح المهمة. يحتاج الأمر الى مشروع متكامل، مدروس كفاية.
2- ان الادارة الاميركية التي تدفع باتجاه التفاوض، لا تملك ايضاً مشروعاً متكاملاً، بل جلّ ما يسعى اليه الرئيس دونالد ترامب، صورة بروتوكولية، تؤيد رؤيته الى مصالحات في المنطقة، وتقليص الحروب.
3- كل تفاوض يحتاج إلى غطاء سياسي واسع في بلد تحكمه توازنات طائفية ومذهبية. التفاوض لا يحظى بالدعم الشيعي حتى الساعة. لا يمكن الرئيس المسيحي أن يأخذ الأمر على عاتقه وحده. الدعم السنّي لا يكفي، لأن "الثنائي الشيعي" يملك قرار الشارع المعطّل. أميركا وإسرائيل تريدان التفاوض مع الشيعي، وقد فعلتا ذلك في اتفاق ترسيم الحدود البحرية سابقا، فوُلد ما سمّي "اتفاق الإطار" في رحم قصر عين التينة، حيث مقر إقامة الرئيس نبيه بري ممثلاً حزبي "الثنائي".
4- نجاح التفاوض يحتاج إلى غطاء عربي ودعم دولي. العرب منشغلون حالياً باعتداءات إيران على دولهم، وأميركا مع إسرائيل، تحاولان استبعاد دول صديقة للبنان عن المشهد التفاوضي، وأبرزها فرنسا، بهدف محاصرته وإضعافه، وهذه أمور لا تصب في مصلحة التفاوض.
5- المطالب الإسرائيلية المتصاعدة صعبة، بل احياناً مستحيلة التحقق، اذ لا تكتفي اسرائيل بمطلب حصر السلاح، بل تطلب وفق "هآرتس" مصادرة أملاك "حزب الله" وأمواله، وصولاً إلى حظر نشاطه السياسي، بعد الأمني والعسكري، وهي مطالب لا يقوى عليها لبنان.
6- تطالب إسرائيل باتفاق سلام شامل وحقيقي. وهنا لا بد من التذكير بموقف لبنان القائل بأنه سيكون آخر دولة عربية توقع اتفاقاً مماثلاً، وانه يلتزم اتفاق المبادرة العربية للسلام في المنطقة. لذا يصعب عليه المضي باتفاق سلام شامل منفرداً.
7- ترفض إسرائيل مطلب لبنان بوقف الأعمال العدائية قبل البدء بوضع خطة للتفاوض، وترفض بالطبع الانسحاب من أراض لبنانية احتلتها، بل تواصل الاحتلال والهدم يومياً، لكسب "أوراق جديدة" ربما تفاوض عليها لاحقاً، مما يعقّد امكان المضي الى التفاوض.
حيال هذه الوقائع، يصبح التفاوض أمراً بالغ التعقيد، ومعرّضاً، بل محكوماً بالفشل. وحسناً تفعل الرئاسة اللبنانية بالمضي في خطوات متقدمة، فربما تحرج إسرائيل أمام العالم، وتظهرها دولة معتدية، رافضة التفاوض الحقيقي وفق أسس منطقية وعملية. هكذا يقع التعطيل، والمماطلة، وصولاً إلى إفشال العملية برمتها، على عاتق إسرائيل.
نبض