السودان.. تدوير "الإخوان" في ثكنات الجيش!

كتاب النهار 10-04-2026 | 10:20

السودان.. تدوير "الإخوان" في ثكنات الجيش!

الخديعة الكبرى التي تُمارس اليوم هي محاولة إيهام المجتمعين المحلي والدولي بأن الجيش يخوض معركة كرامة وطنية.
السودان.. تدوير "الإخوان" في ثكنات الجيش!
عناصر ينتمون إلى الجيش السوداني. )فرانس برس)
Smaller Bigger

ليس ثمة ما هو أخطر على كينونة الدولة الوطنية من ارتهان مؤسستها العسكرية لأيديولوجيا عابرة للحدود، أو تحويل الدبابة إلى أداة لفرض وصاية كهنوتية على مجتمع يتوق للحرية.

ما يشهده السودان اليوم من "إعادة هيكلة" داخل المؤسسة العسكرية، تحت غطاء الحرب وضرورات الميدان، ليس في جوهره سوى عملية جراحية قيصرية تهدف إلى خلق دولة عسكرية دينية مشوهة، تعيد تدوير نظام الإخوان المسلمين بوجوه عسكرية وتحت مسميات جديدة، لتجهض حلم السودانيين في دولة مدنية ديمقراطية طال انتظارها.

إن القرارات الأخيرة التي اتخذها قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، ومنها تعيين الفريق ياسر العطا رئيساً للأركان، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق التاريخي لـ "التمكين" الإخواني الذي نخر عظام الجيش السوداني لثلاثة عقود.

هذه التغييرات، وإن غُلفت بطابع عسكري، تمثل في الحقيقة تحالف سياسي عسكري بين جنرالات الطموح السلطوي وتيار الإسلام السياسي.

فعوضاً عن تنقية المؤسسة العسكرية من شوائب الحزبية، وتحويلها إلى مؤسسة وطنية مهنية، نجد أن التغييرات تفتح الباب واسعاً أمام تقنين وجود الميليشيات وكتائب الظل الإخوانية التي تقاتل الآن تحت لافتة الجيش، حاملةً معها أجندة إقصائية تتناقض كلياً مع أسس الدولة الحديثة.

إن الخديعة الكبرى التي تُمارس اليوم هي محاولة إيهام المجتمعين المحلي والدولي بأن الجيش يخوض معركة كرامة وطنية، بينما يؤكد الواقع على الأرض بأن العقيدة العسكرية قد جرى اختطافها لصالح مشروع ديني/عسكري يرفض مبدأ التداول السلمي للسلطة.

فمن خلال وجود تنظيم عسكري إخواني يسيطر على مفاصل القرار داخل الجيش، إضافة إلى الدمج غير المعلن لعناصر المليشيات التابعة للحركة الإسلامية (الإخوان) في جهاز المخابرات، وبالتالي منح الشرعية لمليشيات أيديولوجية، بعضها مُصنَّف على لائحة الإرهاب؛ يؤسس البرهان لنظام "ثكنات" يحكمه الهوس الديني والقبضة الأمنية، وهو نموذج أثبت فشله التاريخي في السودان، ولم يورث البلاد سوى الحروب الأهلية والفقر والفاقة.

إن الدولة المدنية الديمقراطية ليست شعاراً حالماً، بل هي ضرورة وجودية للسودان بتعدده العرقي والثقافي.
غير أن القيادة العسكرية الحالية، ومن خلفها فلول النظام البائد، ترى في الديمقراطية خطراً يهدد مصالحها الاقتصادية وشبكات نفوذها.

لذا، فإن استهداف القوى المدنية ومحاولة شيطنتها ووصمها بالخيانة ليس سوى تمهيد لقطع الطريق أمام أي انتقال مدني حقيقي، واستبداله بصيغة ديكتاتورية عسكرية ترتدي عباءة الدين، وتستمد بقاءها من إثارة النعرات الدينية والعرقية وتخوين الآخر.

علاوة على ذلك، فإن امتدادات الإسلاميين الذين يمثلون حاضنة لهذه السلطة العسكرية فاقدة الشرعية، وترتبط بمحاور أيديولوجية إقليمية، مثل إيران، مما يفتح الباب أمام نفوذ يهدد أمن البحر الأحمر والمنطقة، ويضع السودان في عزلة دولية خانقة.

إن محاولة إعادة عجلة التاريخ بإنتاج دولة "التمكين" بنسخة عسكرية لا تعني سوى استمرار النزيف، لأن الجيش الذي ينشغل بالسياسة والاقتصاد والأيديولوجيا يفقد بوصلته كحامٍ للدستور والحدود، ويتحول إلى فصيل سياسي مسلح - كما هو حاله الآن - يصارع من أجل البقاء على حساب استقرار الوطن.

السودان، بتعقيداته العرقية والثقافية، لا يحتمل نموذج "الغلبة الأيديولوجية". وأي محاولة لفرضه عبر المؤسسة العسكرية لن تؤدي إلى الاستقرار، بل إلى إعادة إنتاج الصراع بصيغ أكثر عنفاً.

لذلك، فإن جوهر الأزمة اليوم ليس فقط في من يحكم، بل في كيفية تشكيل أدوات الحكم نفسها. فإما أن يتجه السودان نحو إعادة بناء مؤسسة عسكرية مهنية خاضعة لسلطة مدنية، أو ينزلق نحو نموذج هجين، تتداخل فيه العقيدة العسكرية مع الأيديولوجيا، وتُختزل فيه الدولة في ثكنة عسكرية و"مسجد ضرار".

التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه كثيراً ما يعيد أنماطه. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يتعلم السودان من تجربته، أم يعيد إنتاجها بأدوات جديدة؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/7/2026 9:18:00 AM
انخفاض بسعر البنزين... ماذا عن المازوت؟
اسرائيليات 4/9/2026 10:47:00 AM
الجيش الإسرائيلي: لعب دورًا مركزيًا في إدارة مكتبه وتأمينه
لبنان 4/8/2026 9:02:00 PM
غارة عين سعادة تكشف هدفا غير معلن… ومسؤول في حزب الله نجا من الضربة.
لبنان 4/9/2026 10:48:00 AM
مسؤول إسرائيلي للقناة 14: قتلنا 220 عنصراً من حزب الله بينهم قادة في هجمات أمس