كأن هذه الحرب لم تكن!

كتاب النهار 10-04-2026 | 04:55

كأن هذه الحرب لم تكن!

لم يتوقع ترامب ونتنياهو المسار الذي اتخذته الحرب، أخذتهما النشوة بعد حرب الإثني عشر يوماً الماضية التي وجها خلالها ضربات قاصمة لإيران وأقنع نتنياهو صديقه بأن الحرب ستكون كمثيلتها وستقضي على ما تبقى من قوة إيران خلال أيام، لكن الوقائع اختلفت هذه المرة.
كأن هذه الحرب لم تكن!
غارة اسرائيلية على إيران
Smaller Bigger

بعد حربين أميركيتين إسرائيليتن على إيران عادت واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات بوساطة باكستانية هذه المرة وفي غياب الحلفاء التقليديين لأميركا وروسيا. كانت حرباً مدمرة ومكلفة جداً على المستويات البشرية والاقتصادية والعمرانية والعسكرية، وألحقت أضراراً مادية هائلة في إيران وإسرائيل ولبنان، وكذلك في دول الخليج التي لم تكن طرفاً فيها، عدا عن الخسائر العسكرية والبشرية الأميركية.

 

كان طبيعياً أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتصاره في الحرب، وكذلك القيادة الإيرانية، على طريقة مدرسة المواهب خرج الطرفان ليتباهى كل منهما بإنجازاته، لكن الحرب أكبر من كل ذلك وستبقى تداعياتها تتفاعل لوقت طويل، في أميركا وفي إيران وفي الشرق الاوسط. كانت حرباً كبرى أعلنت بخفة وخيضت بلا أفق واضح والأكيد أنها فاجأت الأميركي والإسرائيلي اللذين توقعا إنهياراً سريعاً لإيران تحت تأثير قوة النار من الجو والبحر والبر، وهو ما لم يحدث رغم اغتيال غالبية قادة الصفين الأول والثاني السياسيين والأمنيين في الأيام الأولى بمن فيهم المرشد علي خامنئي.

 


ما أعلن هو هدنة لأسبوعين يتم خلالهما التفاوض على حل نهائي وإقامة سلام (بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بحسب الرئيس الأميركي)، ورغم ما أعلن وسرب من نقاط وشروط يبقى الغموض سائداً خلال هذين الأسبوعين اللذين أبقى ترامب فيهما سيف الحرب مسلطاً على إيران. ما يجري في المفاوضات وما يعلن في الإعلام ليس هو الحقيقة في غالب الأحيان، خصوصاً أن الطرفين يجيدان لعبة التحكم بالرأي العام وتوجيه الانظار في الاتجاهات المختلفة. الاتفاقات من هذا النوع تتضمن أحياناً بنوداً سرية وما يعلن خلال المفاوضات يكون غالباً لأهداف دعائية وموجهاً إلى الجمهور الداخلي لكل طرف. 


لم يتوقع ترامب ونتنياهو المسار الذي اتخذته الحرب، أخذتهما النشوة بعد حرب الإثني عشر يوماً الماضية التي وجها خلالها ضربات قاصمة لإيران وأقنع نتنياهو صديقه بأن الحرب ستكون كمثيلتها وستقضي على ما تبقى من قوة إيران خلال أيام، لكن الوقائع اختلفت هذه المرة. وحاربت إيران خلال أربعين يوماً تحت الفصف اليومي المدمر والاغتيالات والحصار. كانت الفترة بين الحربين كافية للقيادة العسكرية الإيرانية لتغيير استراتيجياتها العسكرية بشكل كبير مستفيدة من ثغرات الحرب الماضية. خلال سنة أقامت بنية عسكرية متكاملة تحت الأرض موزعة على كامل مساحة البلاد البالغة أكثر من مليون وستمئة ألف كيلومتر مربع. وأعدّت هرمية عسكرية اعتمدت فيها على الصفين الثالث والرابع من قياداتها العسكرية متوقعة اغتيال الصفين الأول والثاني في الحرس الثوري والاستخبارات والجيش.


هذه الحرب كانت في بعض وجوهها حرباً عالمية، خاضها ترامب واضعاً نصب عينيه السيطرة على النفط العالمي ومحاصرة روسيا والصين اقتصادياً عبر الإمسالك بورقة الطاقة في العالم، وهو صرح بذلك علناً. لكن روسيا والصين كانتا حاضرتين بشكل غير مباشر في هذه الحرب، هنا يمكن الحديث عن دور فعال للتكنولوجيا الصينية المتطورة في صناعة الصواريخ التي أثبتت فاعلية لم تكن موجودة في الحرب السابقة، ظهرت واضحة في تجنب القبب الحديدية وإصابة الكثير من الأهداف التي احدثت دماراً كبيراً في العمران والمؤسسات الحيوية في تل أبيب وحيفا وقرب مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي. كما ظهرت الخبرات الروسية في إدارة الحرب وتنظيم الدفاع، على ما يتفق عليه كثير من الخبراء.


ولعل من أبرز ما كشفته هذه الحرب هي ضآلة فعالية فريق الرئيس الأميركي الذي أتى بأقاربه وأصحابه إلى المراكز الاستراتيجية في قيادة البلاد فبرهنوا عن عدم كفاءة وعن خفة في القرار والتحليل على شاكلة ووزير الدفاع بيت هيغسيث الذي قدم تحليلات ساذجة عن قدرة إيران العسكرية بالاعتماد على عدد الصواريخ التي تطلقها يومياً فأثار سخرية فاعلين في الإدارة وانتقاداتهم.

 
سيقال الكثير عن مجريات هذه الحرب واستراتيجياتها وأسلحتها وأهدافها وتداعياتها، وقد يكون من المبكر القول إنها توقفت نهائياً، لكن الأكيد أنها أعادت المشكلة إلى المربع الأول: مصير النووي الإيراني وهو المجال الوحيد الذي سيضغط الأميركي لتحقيق إنجاز فيه وهو إنجاز لن يتخطى التسليم الإيراني ببرنامج مدني تحت الرقابة، وهو أمر كان يمكن للطرفين التوصل إليه من دون كل هذه الحرب. غير ذلك سيقطف ترامب الثمن الاقتصادي لهذه الحرب على شكل مبيعات تريليونية للأسلحة وضخ استثمارات هائلة في الصناعات العسكرية تحرك الركود الاقتصادي في أميركا، وربما يسعى إلى شراكة مع إيران في جباية بدلات عبور عن عبور السفن في مضيق هرمز، كما قال. لا شيء يعنيه ويعد الأميركيين به غير المال حتى لو أتى عبر الحروب.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/7/2026 9:18:00 AM
انخفاض بسعر البنزين... ماذا عن المازوت؟
اسرائيليات 4/9/2026 10:47:00 AM
الجيش الإسرائيلي: لعب دورًا مركزيًا في إدارة مكتبه وتأمينه
لبنان 4/8/2026 9:02:00 PM
غارة عين سعادة تكشف هدفا غير معلن… ومسؤول في حزب الله نجا من الضربة.
لبنان 4/9/2026 10:48:00 AM
مسؤول إسرائيلي للقناة 14: قتلنا 220 عنصراً من حزب الله بينهم قادة في هجمات أمس