لبنان غداً: من ساحة حروب إلى اقتصاد عابر للحدود
في كل ذكرى للحرب اللبنانية، يُعَاد طرح الأسئلة نفسها: لماذا اندلعت؟ ومن المسؤول؟ وكيف يمكن تفاديها؟ لكن بعد نصف قرن تقريباً على بداية تلك الحرب، مروراً بما تلاها من اضطرابات محلية، سياسية وأمنية، ومواجهات مع إسرائيل، وحروب إقليمية، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد سياسياً فقط، بل اقتصادياً بامتياز: كيف يبني لبنان اقتصاداً مرناً لا يترنّح كلّما اختلّ الاستقرار المحلي والإقليمي إلى هذا الحد أو ذاك؟
لم تعد المشكلة في اندلاع النزاعات بقدر ما أصبحت في هشاشة الاقتصاد اللبناني أمامها. لبنان، بصيغته التي عرفناها منذ نهاية حربه الأهلية عام 1990، قام على نموذج شديد الاعتماد على الاستقرار: قطاع مصرفي ضخم، وتدفقات مالية من الخارج، وخدمات مرتبطة بالسياحة والاستهلاك. هذا النموذج لم يكن قادراً على الصمود في منطقة تتكرّر فيها الصدمات، فانهار عند أول اختبار كبير.
لفهم هذا المأزق، لا بدّ من العودة إلى مسار الاقتصاد عبر الحروب. قبل عام 1975، تمتع لبنان باقتصاد خدمات نشط ومكانة مالية إقليمية بارزة. لكنه مع اندلاع الحرب الأهلية، انكمش النشاط الاقتصادي بشدّة، وتآكلت مكانة لبنان المالية والتجارية، فيما شهدت الليرة خلال الثمانينيات تدهوراً حادّاً أفقدها معظم قيمتها.
بعد انتهاء الحرب، شهد لبنان في النصف الأول من التسعينيات طفرة إعادة إعمار مع معدّلات نمو مرتفعة. لكن هذا النمو كان قائماً على الاستدانة، إذ ارتفع الدين العام من مستويات متدنية في أوائل التسعينيات إلى نحو 40 مليار دولار في عام 2005، ثمّ إلى نحو 90 مليار دولار قبيل الأزمة المالية عام 2019، ما جعل الاقتصاد هشّاً أمام أيّ صدمة.
جاءت المواجهات مع إسرائيل لتؤكّد هذا الضعف البنيوي. في حرب تموز (يوليو) 2006، قُدِّرت الخسائر المباشرة بنحو 3.6 مليارات دولار، مع انكماش اقتصادي قارب السبعة في المئة في ذلك العام. وفي التصعيد الأخير منذ عام 2023، قدّر البنك الدولي الأضرار المادية بنحو 3.4 مليارات دولار، والخسائر الاقتصادية بنحو 5.1 مليارات، فيما تشير التقديرات الأحدث إلى أن تكلفة التعافي وإعادة الإعمار قد تصل إلى نحو 11 مليار دولار، مع انكماش الاقتصاد اللبناني بنحو 7.1 في المئة في عام 2024، ما يعكس استمرار قابلية الاقتصاد للانكشاف أمام الصدمات الأمنية.

لكن الانعطاف الكبير جاء مع الانهيار المالي عام 2019. خسر لبنان نحو 64 في المئة من ناتجه المحلي الاسمي بين عامي 2018 و2023، متراجعاً من نحو 55 مليار دولار إلى نحو 20 ملياراً فقط، في واحدة من أشدّ الأزمات الاقتصادية عالمياً منذ القرن التاسع عشر بحسب البنك الدولي. وارتفع الفقر النقديّ إلى نحو 44 في المئة من السكّان، فيما تجاوز الفقر المتعدّد الأبعاد 80 في المئة، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
اليوم، تكشف الأرقام عن واقع جديد مختلف جذرياً. في عام 2024، بلغت تحويلات المغتربين نحو 6.8 مليارات دولار، وفق مصرف لبنان، ما يجعلها أحد أبرز مصادر الدخل الوطني. في المقابل، بلغت صادرات لبنان السلعية نحو 3.8 مليارات دولار، وفق بيانات التجارة الدولية، ما يعني أن التحويلات باتت تفوق الصادرات بفارق واضح.
الأهم من ذلك أن جزءاً كبيراً من هذه الصادرات يتجه إلى البلدان العربية، وفي مقدمها دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تستحوذ وحدها على نحو 27 في المئة من الصادرات اللبنانية. كذلك، تستوعب أسواق عربية أخرى مثل مصر والعراق والأردن وقطر وسوريا حصة إضافية مهمة، ما يؤكد أن الفضاء الاقتصادي الطبيعي للبنان هو عربي بالدرجة الأولى.
من هنا، يصبح التفكير في "لبنان غداً" تمريناً على إعادة تعريف الاقتصاد، لا في ترميم ما سقط. لم تعد إعادة إنتاج نموذج ما قبل 2019 ممكنة، لا مالياً ولا سياسياً ولا حتى إقليمياً. والبديل يكمن في الانتقال إلى اقتصاد مختلف في طبيعته: اقتصاد شبكي، عابر للحدود، يستند إلى الانتشار اللبناني بوصفه بنية إنتاجية، لا مجرد مصدر للتحويلات.
يشكّل الانتشار اللبناني، ولاسيما في بلدان الخليج العربي، شبكة بشرية واقتصادية واسعة تعمل في قطاعات حيوية: من الهندسة والطب إلى الإعلام والتكنولوجيا. ومع التحولات الكبرى التي تشهدتها اقتصادات الخليج، تبرز فرصة أمام هذه الكفاءات للانتقال من دور الأفراد إلى دور الشركاء في الإنتاج.
لكن هذا التحول يتطلّب إعادة تنظيم العلاقة بين الداخل والانتشار. بدلاً من تدفقات مالية استهلاكية، يمكن تحويل هذه الموارد إلى استثمارات إنتاجية، عبر صناديق مشتركة، وشبكات أعمال، ومنصات تعاون تربط لبنان باقتصاده الممتد في العالم العربي.
وفي موازاة ذلك، يحتاج لبنان إلى إعادة تموضع داخل الاقتصاد العربي. بدلاً من دور موسميّ يعتمد على السياحة والخدمات التقليدية، يمكن أن يتحول لبنان إلى شريك في قطاعات إنتاجية مثل الصناعات الغذائية، والتعليم، والاستشفاء، والخدمات الرقمية، مستفيداً من رأس ماله البشري.
لكن هذا كلّه يبقى ناقصاً من دون التحوّل الأهمّ: الانتقال إلى "اقتصاد الصمود". في منطقة تتداخل فيها الحروب مع الاقتصاد، لم يعد من الواقعي بناء نموذج يفترض الاستقرار. المطلوب هو اقتصاد قادر على العمل على الرغم من الأزمات، لا بعد انتهائها. وهذا يعني تعزيز القطاعات القابلة للتكيّف مثل التكنولوجيا والعمل عن بُعد، وتطوير الزراعة والتصنيع لتقليل الاعتماد على الاستيراد، ودعم المبادرات المحلية لتخفيف الاعتماد على الدولة. إنه انتقال من اقتصاد ينتظر الاستقرار إلى اقتصاد يدير المخاطر.
في المحصلة، تكشف التجربة اللبنانية أن أخطر ما في الحروب ليس وقوعها، بل أن يكون الاقتصاد عاجزاً عن احتمالها. ولبنان، كما هو اليوم، لم يعد يملك ترف الانتظار. خياره الوحيد هو أن يعيد ابتكار نفسه كاقتصاد عابر للحدود، عربي الامتداد، يستند إلى شبكاته البشرية في الخارج.
ربما يستطيع لبنان أن يمنع الحروب المقبلة فيه وعليه، لكنه لن يستطيع بالتأكيد منعها في المنطقة. ويقدر حتماً، للمرة الأولى منذ عقود من الزمن، أن يبني اقتصاداً لا ينهار كلما اندلعت حروب في المنطقة. وهذا، في ذاته، ليس تفصيلاً. هو الشرط الأول لأي نجاة ممكنة.
نبض