هل كان "حزب الله" عالماً بمسار الاتفاق؟
على رغم أن راعي الاتفاق بين واشنطن وطهران رئيس وزراء باكستان أعلن في بيان إنجاز الاتفاق أن لبنان مشمول بمندرجاته، مسميا إياه بالاسم، وبيان المجلس الأعلى للأمن الإيراني أكد بدوره الأمر نفسه، فإن المسؤولين الإسرائيلين ظلوا حتى ساعات ما بعد ظهر أمس مصرّين على أن جبهة المواجهة على الحدود مع لبنان مستثناة من الاتفاق.
وبقي "حزب الله" ميالاً إلى الاعتصام بالصمت حيال هذا التطور المفصلي، وقد جارته حركة "أمل"، فقيادة الحزب لم تعطِ مقاتليها أي أوامر بوقف الأنشطة العسكرية، ودعت في الوقت عينه النازحين من بيئتها وهم بمئات الآلاف إلى أن يبقوا في أماكن نزوحهم.
ليس خافياً أن الحزب حين أطلق صواريخه الستة في 2 آذار الماضي أبلغ إلى من يعنيهم الأمر أنه استحصل على ضمانات من طهران أن يكون إلى جانبها في أي مآل تأخذه التطورات الدراماتيكية، وبناء عليه سيكون له مقعد إلى جانبها في أي طاولة مفاوضات مستقبلية. بمعنى آخر، لن يستفرد به كما حصل في حرب إسناد غزة التي خاضها طائعاً وخرج منها قسراً وقهراً.
لذا كان بديهياً أن تعلن الدوائر المعنية في الحزب إلى سائليها أنها ليست كما يشاع خارج دائرة الاتصالات والمفاوضات التي جرت على مستوى العواصم للتوصل إلى اتفاق وقف النار بين طهران وواشنطن، والذي يفترض أن يكون مقدمة لأي تسوية كبرى في الإقليم، وبناء عليه هي مطمئنة تماما إلى أن الحليف الإيراني لن يترك الحزب وحيداً على قارعة الانتظار، أو يدعه وجها لوجه أمام الإسرائيلي.
هذه المعادلة تبناها رئيس مجلس النواب نبيه بري عندما قال في تصريح له قبل أقل من أسبوعين إنه تلقى ضمانات من كبار المسؤولين في طهران أن لبنان سيكون حتماً مع طهران في أي مفاوضات تجري لاحقاً مع الأميركيين لوقف النار، توطئة لتسوية تضع حداً للحرب.
وفي هذا السياق قال الحزب للمعنيين قبل 24 ساعة من إعلان الوسيط الباكستاني التوصل إلى اتفاق تهدئة لمدة أسبوعين، إنه تبلغ من طهران بأجواء تفاوض جدية ستفضي إلى اتفاق تهدئة، لكن الحزب لم يكن على يقين من مآلات هذا التفاوض من جهة وما هي انعكاساته على الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية من جهة أخرى، وتحديداً ما إذا كانت إسرائيل مهيأة لالتزام التهدئة على هذه الجبهة المحتدمة.
هكذا وفي اللحظة التي كانت طهران تتسابق مع واشنطن إلى شارات النصر، من خلال تنازلات قدمها كل طرف لبلوغه، كان ثمة معطيان غير مشجعين على صعيد الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية:
الأول استمرار جولات العنف في البلدات الحدودية، والثاني أن لا لبنان الرسمي ولا الثنائي الشيعي كان في مقدورهما أن يعلنا أي جديد ثابت يقطع الشك باليقين في ما إذا كانت تل أبيب في وارد التزام مندرجات اتفاق طهران - واشنطن، وتالياً الانضمام إليه رسمياً كطرف ثالث.
ولقد زاد عدم اليقين هذا ما نقلته وسائل إعلام عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومفاده أنه ليس ملزماً الالتزام على الجبهة مع لبنان، ما عنى أن لإسرائيل حسابات أخرى مع هذه الجبهة.
بناء عليه، وفيما كان إعلام الحزب يكتفي بنقل التصريحات الإيرانية والباكستانية في هذا الخصوص، والمؤكدة أن لبنان مشمول بالاتفاق، كانت تعليمات الحزب لجمهوره أن "اصبروا وابقوا حيث أنتم لتنجلي الصورة نهائياً"، وهو ما عنى للكثيرين أن مآلات الأمور ما زالت ضبابية وملتبسة، وأن إسرائيل لن تعطي الحزب بهذه السهولة صورة نصر مجانية عندما تقبل بعملية الربط التي عقدها الحزب بين جبهتي إيران والجنوب، لأن لهذا الاقتناع حسابات وتداعيات مستقبلية.
في ضوء هذه الوقائع، فإن المسارات على الجبهة الجنوبية ستبقى مغمورة بالضبابية واللايقين إلى أجل غير مسمى، خصوصاً أن إسرائيل لم توقف عملياتها في الجنوب ولم تخفف حدتها.
ومع ذلك فإن الحزب سيعتبر أنه استرد في المواجهات الأخيرة الكثير مما فقده في الحرب السابقة، من عناصر القوة والحضور. في حين أن الرئيس بري الذي اعتاد أن يعطي النازحين أمر العودة الجماعية والعاجلة فور توقف المواجهات لكي يمنع على الإسرائيلي فرض أمر واقع في المناطق الجنوبية، لا يبدو أنه في وارد إطلاق هذا الأمر بناء على حسابات ومحاذير، او في انتظار كلمة سر تأتيه.
نبض