هل تُفضّل أوروبا أن يخسر دونالد ترامب الحرب على إيران؟

كتاب النهار 05-04-2026 | 12:23

هل تُفضّل أوروبا أن يخسر دونالد ترامب الحرب على إيران؟

يبدو الكلام عن تفضيل أوروبي لخسارة ترامب الحرب، من دون أن تنتصر إيران، واقعياً. فأوروبا لا تأمل ذلك لأنها تحب النظام الإيراني، بل لأنها تخشى "الوحش" الذي قد يخلقه انتصار ترامب المطلق.
هل تُفضّل أوروبا أن يخسر دونالد ترامب الحرب على إيران؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال خطاب تلفزيوني حول الحرب على إيران من البيت الأبيض، واشنطن، 1 أبريل 2026. (فرانس برس)
Smaller Bigger

لا تمثل عملية "الغضب الملحمي" الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران نقطة تحول جوهرية في تاريخ الشرق الأوسط وحده، بل في بنية التحالفات بين ضفتي الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالتباين الحاد في المواقف بين واشنطن والعواصم الأوروبية الرئيسية يكشف عن صدع بنيوي في الرؤية الاستراتيجية للنظام الدولي، ينتهزه محللون صينيون للقول إن أوروبا ترى في هزيمة حليفها الأكبر في هذه الحرب حمايةً لمصالحها الوجودية.

 

توازن أوروبي دقيق

منذ بداية العمليات العسكرية، حاولت فرنسا وألمانيا إيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على التحالف وعدم الانجرار إلى صراع إقليمي شامل، فيما تشكلت "كتلة أوروبية حرجة" تضم دولاً مثل إسبانيا وإيطاليا، ترفض إعانة الرئيس الأميركي في حربه هذه. وبرز رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أحد أكثر الأصوات الأوروبية صرامة في معارضة الحرب. فلم تكتفِ بلاده بالتنديد السياسي، بل اتخذت إجراءات عملية تعرقل المجهود الحربي الأميركي، بمنع استخدام قاعدتي "مورون دي لا فرونتيرا" و"روتا" لدعم أي عمليات هجومية ضد إيران، وإغلاق مجالها الجوي أمام المقاتلات الأميركية المشاركة في الغارات. هذا أغضب واشنطن غضباً غير مسبوق، خصوصاً أن مدريد استندت إلى أن الاتفاقيات الدفاعية المشتركة لا تنطبق على أفعال "أحادية الجانب"، تفتقر إلى غطاء الأمم المتحدة أو حلف الناتو.

 

أياً كان الدافع لاتخاذ سانشيز هذا القرار "الجريء" بوجه ترامب، فكلمة السرّ هنا "أحادية الجانب"، لأنها  - اصطلاحاً – تختزل معاناة أوروبا الطويلة مع ترامب، منذ ولايته الأولى، في كل السياسيات التي ينبغي أن تجمع بين ضفتي الأطلسي، لا أن تفرق بينهما. وكلمة السرّ هذه تشيع ما يصفه سونغ لو تشونغ، الباحث الصيني المقيم في باريس، بأنه "ميل لدى النخب الأوروبية إلى تفضيل هزيمة ترامب في إيران، لأن في هذه الهزيمة مصلحة حيوية أوروبية تفوق المصلحة في انتصاره".

 

تحولات أطلسية

هذا التحليل، وإن بدا راديكالياً، يستند إلى قراءة عميقة للتحولات في ميزان القوى الأطلسي. فالأوروبيون لا يرون في إيران – رغم نفس نظامها الأمارة بالسوء دائماً -  تهديداً وجودياً لهم، بل هي دولة يمكن التوصل معها إلى اتفاقيات تكبح أحلامها، خصوصاً أن الأوروبيين لا يصدقون كل ما يقوله ترامب عن البرنامج النووي الإيراني. في المقلب الآخر، ترى هذه النخب الأوروبية أن نهج ترامب يمثل تهديداً مباشراً لركائز الاستقرار الأوروبي. فخطورته تكمن في تفكيكه المنهجي لنظام عالمي قائم على قواعد ثابتة، تعتمد عليه أوروبا "الواهنة" لحماية نفسها ومصالحها. فحين يقول ترامب لـ"نيويورك تايمز" إنه لا يحتاج القانون الدولي، فإنه يخيف أوروبا. وإن نجح ترامب في تغيير النظام في إيران بالقوة ومن دون شرعية دولية، لتكون تلك سابقة ثانية بعد فنزويلا، فماذا يمنعه من تطبيق المنطق نفسه على "غرينلاند" الدنماركية، أو فرض إرادته الاقتصادية والسياسية على الاتحاد الأوروبي كله؟

 

 

زعماء أوروبا في الاجتماع الشهير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد قمة آلاسكا، التي تم فيها استبعادهم من المفاوضات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أوكرانيا. (البيت الأبيض)
زعماء أوروبا في الاجتماع الشهير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد قمة آلاسكا، التي تم فيها استبعادهم من المفاوضات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أوكرانيا. (البيت الأبيض)

 

 

خسارة ترامب في إيران خطوة أولى – في الأمنية الأوروبية - لاستعادة التوازن الأطلسي، لأنها تعيد الاعتبار للتنسيق المسبق مع الحلفاء، والعودة إلى المؤسسات الدولية. فهذا يمنح أوروبا ثقلاً ديبلوماسياً فقدته في ظل نهج ترامب، خصوصاً في المسألة الأوكرانية. فهل تذكرون تلك الصورة التي جلس فيها زعماء أوروبا صاغرين في المكتب البيضاوي، بعد قمة ألاسكا؟ يبدو أن الأوروبيين لم ينسوها، وخوفهم اليوم من أن يؤدي انتصار ترامب إلى تفشي ما يسمى Donroe Doctrine، التي تغذي نزعاته الفوقية – التوسعية. وفي مناسبة القضية الأوكرانية، أحد أهم أسباب القلق الأوروبي هو "المحور الأوكراني-الإيراني": فأوروبا ترى في الحرب على إيران "هدية استراتيجية" لروسيا، وارتفاع أسعار النفط والغاز يمول آلة الحرب الروسية، وانشغال واشنطن بالشرق الأوسط يعني تراجع الدعم العسكري لكييف. وفي هذا السياق، تظهر تناقضات أوروبية صارخة: ألمانيا التي كانت "تلقن العالم دروساً" في القانون الدولي في ما يتعلق بأوكرانيا، تصمت اليوم مؤيدة عملية أميركية تخرق المبادئ نفسها التي دافعت عنها طويلاً. وهذا "النفاق الاستراتيجي" يجعل أوروبا تابعاً لواشنطن، لا أكثر.

 

فجوة الثقة العميقة

تظهر استطلاعات الرأي أن الشعوب الأوروبية تسبق قادتها في معارضة هذه الحرب، وفي التشكيك في النوايا الأميركية. ففي ألمانيا، يصف 58% من المواطنين هذه الحرب بأنها "غير مبررة، كما انخفضت الثقة في الولايات المتحدة بصفتها "شريكاً موثوقاً" إلى 15% فقط.

 

وفي بريطانيا، عارض 59% من المشاركين في استطلاعات الرأي الغارات الأميركية – الإسرائيلية، واعتبر 47% منهم أن رئيس الحكومة البريطاني كير ستارمر أساء إدارة هذه الأزمة، منقسمين بين من يراه "تابعاً لترامب" ومن يراه "فاشلاً في حماية الأمن القومي".

 

في إيطاليا، يفضل 48% من المشاركين في الاستطلاع البقاء على الحياد، وأداء دور الوسيط، رافضين الانخراط العسكري المباشر.

 

هذا التوجه الشعبي يعزز التحليل القائل إن المجتمعات الأوروبية باتت تنظر إلى "الترامبية" بوصفها تهديداً لقيم "الديموقراطية الليبرالية" والتعاون الدولي، وتحديداً الغربي.

 

في فرنسا، ثمة تيار كبير يرى في الحرب "اختبار جهد" (Stress Test) لمفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، الذي طالما نادى به الرئيس إيمانويل ماكرون.

 

ترامب والأمين العام لحلف الناتو مارك روتي خلال اجتماع ثنائي على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا،  21 يناير 2026. (فرانس برس)
ترامب والأمين العام لحلف الناتو مارك روتي خلال اجتماع ثنائي على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، 21 يناير 2026. (فرانس برس)

 

 

دعم محفوف بالمخاطر

إلى ذلك، كشفت الأزمة أن أوروبا لا تزال تعتمد بشكل "مذل" – وفقاً لوصف الاقتصادي والسياسي اليوناني يانيس فاروفاكيس - على المظلة الأمنية الأميركية، ما يجعلها عاجزة عن قول "لا" حقيقية لترامب.

 

فعندما شكك ترامب في الاتفاقيات الأمنية الأميركية - الأوروبية، وهدد بتقليص الوجود العسكري في أوروبا، وطالب أوروبا بتحمل تكاليف الدفاع عنها، بدا دعمه لقوى اليمين المتطرف في أوروبا خطوة استراتيجية "بارعة". وهذا مكّن واشنطن من صون نفوذها في معظم أنحاء أوروبا، مع تقليص التزاماتها، ومنع ظهور أوروبا "أقل اعتماداً" على واشنطن وأكثر توجهاً نحو السيادة والاستقلال.

 

في هذه الساحة، أدت دول أوروبا الوسطى - حيث رسّخ سياسيون غير ليبراليين نفوذهم - دوراً محورياً. فقبل انتخابات 2024، أعرب ترامب مراراً عن إعجابه بفيكتور أوربان الذي يُنظر إليه غالبًا على ترامب الأوروبي. وبعد عودته إلى البيت الأبيض، أعفى ترامب المجر من العقوبات لاستيرادها النفط الروسي.

 

ورغم نجاح إدارة ترامب الملحوظ في استمالة قوى سياسية يمينية متطرفة في أوروبا، فهذه الخطوة تبقى محفوفة بالمخاطر. فمرجح أن يُنتج تأجيج الاستقطاب السياسي أوروبا مشرذمة بدلاً من أوروبا موحدة ومتوافقة مع رؤية ترامب. إلى ذلك، لا شيء يضمن بقاء أوربان غير الليبرالي على توافق جيوسياسي تام مع ترامب، سواء في قضايا متصلة بروسيا أو الصين، أو بالرؤية الاقتصادية.

 

وعندما تدعم واشنطن أحزاباً وقادةً يمينيين متوافقين مع رئيسها أيديولوجياً، فإنها تخاطر كثيراً بخسارة قوى "موالية لأميركا" تقليدياً في دول أوروبية رئيسية، تشكل حجر أساس للنفوذ الأميركي في القارة العجوز.

 

نظرة مستقبلية

تبدو القناعة الصينية بميل أوروبي إلى تفضيل خسارة ترامب الحرب، من دون أن تنتصر إيران، واقعياً. فأوروبا لا تأمل في خسارة أميركا الحرب لأنها تحب النظام الإيراني، بل لأنها تخشى "الوحش" الذي قد يخلقه انتصار ترامب المطلق.

 

فانتصار ترامب في "الغضب الملحمي" سيعني تكريس مبدأ "القوة تصنع الحق" عالمياً، وإطلاق يد واشنطن في فرض ضرائب جمركية واتفاقيات تجارية مجحفة بحق أوروبا، التوسع في سياسة "الضم"... وغرينلاند نموذجاً، وأخيراً تقويض الاتحاد الأوروبي بصفته كياناً سياسياً واقتصادياً منافساً.

 

من هنا، صار ترامب في نظر أوروبيين كثيرين "أخطر" من إيران. وصمود إسبانيا، وتردد إيطاليا، والمناورة البريطانية الصعبة، ليست إلا تعبيراً عن غريزة البقاء الأوروبية في مواجهة حليف لم يعد يشبه نفسه، وفي ظل حرب يقول الجميع إنها "ليست حربنا".

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
"تبدو وكأنك تقول: يا إلهي، كنت في طائرة مقاتلة قبل دقيقتين أحلق بسرعة 800 كيلومتر في الساعة، وانفجر صاروخ للتو على بعد أربعة أمتار ونصف فقط من رأسي"
لبنان 4/4/2026 7:56:00 PM
مقتل جندي إسرائيلي في شبعا بنيران صديقة خلال عملية جنوب لبنان