حرب إيران لها تبريراتها وليس حرب الحزب
بعد شهر من الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران وما يقارب الشهر من الحرب بين اسرائيل و"حزب الله" من دون حسم اي منهما حتى الان، يظهر بوضوح ان الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالغوا في تحميل لبنان اكثر من طاقته لجهة نزع سلاح " حزب الله" ضمن مهلة محددة.
السؤال يُثار من زاوية التقديرات غير الواقعية ان لم يكن خطأ التقديرات السابقة ازاء اضعاف ايران في حرب حزيران من العام المنصرم على نحو انعكس على قدرتها على تمويل او اعادة هيكلة اذرعها او حلفائها في المنطقة وفي مقدمهم "حزب الله" . كما يثار من زاوية الزعم الاسرائيلي عن انهاء قدرات الحزب بنسبة كبيرة والقضاء على صواريخه في حرب 2024 على اثر هجمات غير مسبوقة بتفجير البيجر في عناصر الحزب او اغتيال امينه العام حسن نصرالله وعددا كبيرا من قياداته. ولكن ما لبثت هذه الحرب ان كشفت عن عدم حسم اسرائيل حربها ضد الحزب وان خرج ضعيفا منهكا.
وفي المرحلة التي تلت هذه الحرب نشأت قيادة جديدة تسلمت بلدا مفككا اعطيت فرصة " الاستفادة " من مومنتوم ضعف الحزب وايران معه لا سيما بعد سقوط نظام بشار الاسد في سوريا لتنفيذ سريع لنزع سلاح الحزب. ولا نقاش في الواقع في ان اهل السياسة والحكم في لبنان يمتلكون براعة نادرة في تمييع الواقع وإنتاج خطابات سياسية لا تجد ترجمتها على الارض وقد فضّل القادة اللبنانيون سياسة المصالحة على المواجهة في التعامل مع "حزب الله" على الاقل استنادا الى تجربة مكلفة وباهظة لمواجهة بين الجيش اللبناني وحزب " القوات اللبنانية" لم تنته جيدا لا للبنان ولاي من طرفي النزاع في العام 1988. وفي ملف سلاح "حزب الله" بامتداداته الاقليمية ، تم تضييع المومنتوم فيما ان ايران ركزت جهودها على التكيف مع وقائع المنطقة وعلى اعادة تسليح الحزب او تمكينه، وهو ما يمكن ان تسأل عنه الدولة اللبنانية واجهزتها في الواقع اكثر من قدرتها على نزع سلاح الحزب الذي لم يتعاون مع الجيش اللبناني في جنوب الليطاني على رغم اقراره بموافقته على سحب سلاحه في هذه المنطقة فحسب من دون تنفيذ سائر بنود اتفاق وقف الاعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024.
أعطى الحزب في هذه الحرب ثأراً لاغتيال المرشد الايراني علي خامنئي كما في حرب اسناد غزة اسرائيل اوراقا لمصلحتها وضده هو ازاء لبنان والمجتمع الدولي على حد سواء. فالحرب بين ايران وكل من اسرائيل والولايات المتحدة تتوافر لها اسباب ومبررات منطقية تصب في مصلحة ايران اكثر من مصلحة الطرفين الاخرين انطلاقا من مسؤوليتهما المشتركة عن شن حرب في زمن كانت تسعى فيه ايران الى التفاوض وليس الى الحرب ، ما فسر عدم انخراط اوروبي ودولي في هذا الاطار ، على عكس الحزب الذي افتتح الحرب على اسرائيل معرضا في الوقت نفسه سلطة الدولة اللبنانية وسيادتها . وهناك راي عام خارجي غير متفهم اطلاقا للحرب التي بادر اليها الحزب بحيث تبرز في شكل خاص التصريحات التي يطلقها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مؤكدا مرارا وتكرارا مسؤولية الحزب في جر لبنان الى حرب لم يخترها لبنان او اللبنانيون .
وتاليا فان اسرائيل تملك بحسب الخارج كل الذرائع والمبررات للقيام بحربها ضد الحزب فيما انها تصيب الدولة اللبنانية في العمق خصوصا ان الوساطات على خط وقف النار سواء الفرنسية منها او المصرية وجدتا في مبادرة الحزب الى وقف النار السبيل الوحيد لبدء مسار الحرب في لبنان ، الامر الذي رفضه الحزب حتى الان . وبالنسبة الى مصادر ديبلوماسية فان افق اتفاق مع ايران يبدو اسهل من افق انهاء الحرب في لبنان حتى لو ان نقل ان ايران عزمها على ادراك وقف الحرب على الحزب من ضمن اي اتفاق معها . فهذا غير محتمل على الارجح لاعتبارات متعددة يمكن البحث فيه لاحقا ولكن وفقا لاخر المعلومات والتصريحات من جانب المسؤولين الاسرائيليين فان إسرائيل عازمة على مواصلة البحث عن حلول عسكرية في لبنان، وتاليا لن تكون مستعدة لقبول وقف إطلاق نار خصوصا اذا نجحت في تحقيق تقدم ملموس في اهدافها في لبنان ، علما ان الحزب بدوره وعلى لسان امينه العام نعيم قاسم قال " أن حزبه يستعد لـ"مواجهة طويلة" سيخوضها "حتى النهاية".
وحتى لو ان الحزب اوقف النار عملا باتفاق وقف النار اذا حصل مع ايران ، فان الدب اصبح في داخل البيت ويصعب تجاهل ذلك او تجاهل احتمال عدم العودة الى القرى الجنوبية بناء على واقع جديد بات فيه الحزب ومعه لبنان باسره خاسرا بغض النظر عن المعايير المتحولة او المتغيرة لمفهوم اي انتصار سيعتبر الحزب انه حققه بما في ذلك ما يريده لجهة ابقاء القديم على قدمه من حيث سلاحه ونفوذه وارجحية قراره على قرار الدولة اللبنانية وتشدده في ذلك كلما زاد ضعفه وتراجعه.
rosannabm @hotmail.com
نبض