"قلم الرصاص" لم يصنعه لبنانيون

كتاب النهار 27-03-2026 | 13:00

"قلم الرصاص" لم يصنعه لبنانيون

مزيج من الشعوب والأعراق والحضارات والثقافات والمستويات، عمل لإنتاج القلم الرخيص الثمن، وربما القيمة، قياساً بأقلام تحمل ماركات عالمية شهيرة، وغالية الثمن. ولو انقسمت تلك الشعوب وتفرّقت وتخاصمت لما أمكن إنتاج القلم.
"قلم الرصاص" لم يصنعه لبنانيون
صورة تعبيرية.
Smaller Bigger

شاهدت بالأمس شريطاً مصوراً لرجل لا أعرفه، ولا تهمني هويته، فلا تشغلني انتماءاته وطائفته ومنطقته. لا هو لبناني، ولا يعرف لبنان ربما، ولا ينطق بالعربية.
كان يتحدث عن التفاعل بين الشعوب، من منطق عملاني نفعي، لا يتوقف عند صغائر الأمور. حمل بيده "قلم الرصاص". تحدث عن الخشب والغابات وموطنها، وعن المادة المسماة رصاصا ومنشئها، وعن الممحاة التي تعلو القلم وأصلها، وعن الصبغة التي تغلف القلم ومنبعها، وعن اليد العاملة التي جمعت كل هذا المزيج - الخليط، وصنعته قلماً نخط به حروفنا.

 

سأل عن هوية المواد، وهوية البشر الذين عملوا بها، وسأل هل تساءلنا يوماً عن هوية هؤلاء وطوائفهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم وهواياتهم؟

 

مزيج من الشعوب والأعراق والحضارات والثقافات والمستويات، عمل لإنتاج القلم الرخيص الثمن، وربما القيمة، قياساً بأقلام تحمل ماركات عالمية شهيرة، وغالية الثمن. ولو انقسمت تلك الشعوب وتفرّقت وتخاصمت لما أمكن إنتاج القلم.

 

وحال القلم الأرخص ثمناً، تنطبق على كل الصناعات. فهل سأل أحدنا يوماً عن المواد التي تدخل في صناعة الطيارات والسيارات أو الهواتف الخليوية، وقرر مقاطعتها، وحرم نفسه تلك الخدمة الضرورية لحياة الإنسان؟

 

هي ليست دعوة سياسية إلى عدم المقاطعة في مواجهة الذين يطلقون حملات لمقاطعة دولة أو شعب أو منتجات صناعية بسيطة، فلهم الحق رغم ضحالة الحملات، بل هي دعوة إلى وعي أهمية تعاون الأمم والشعوب من أجل مصالح مشتركة، حتى لو لم يفكروا فيها ملياً، كمثل قلم الرصاص. 

 

تضافُر كل تلك الجهود أنتج قلم رصاص، وطيارة وسيارة وهاتفاً وتلفزيوناً و... وضعت كلها في خدمة الإنسان.

 

والسؤال هنا عن اللبنانيين وعن لبنانهم: كيف ينجحون أفراداً ويسقطون جماعات؟ حتى الجماعات الناجحة نسبياً، نجاحها لا يتم عن وعي، بل عن عصبية، أو عن نفعية مالية، أو تهديد ووعيد. يعجز اللبنانيون عن التعاون وتضافر قواهم لإنجاح مشروع وطن يقبع منذ ولادته في الحاضنة. كلما قرر طبيب إخراجه منها، نهاه زميله عن الخطوة ليبقيه تحت الوصاية.

 

وطن يبدو أن الحياة لم تُكتب له. من فتنة إلى فتنة، ومن حرب إلى حرب، ومن وصاية إلى أخرى. لا تزال مكوناته تتصارع، ولا تلتقي على فكرة واحدة ومشروع واحد ورؤية واحدة ومستقبل واحد. 

 

لكل مشروعه ونظرته إلى وطن ما، لكن المشاريع والرؤى لا تتلاقح حتى الساعة، تجمعها محطات ومناسبات وردات فعل ومصائب وكوارث، غالباً ما تضمحل بعد حين، ويتفرق العشاق مجددا، ويعودون إلى صراعاتهم المزمنة والمتجذرة في التاريخ.

 

هل العلّة في اللبنانيين؟ أو في مشروع لبنان ومشروعيته؟ أو في الطوائف المكونة لنظامه؟ أو في المشاريع الكبرى التي تحوطه وتتحكم فيه وفي مصائر شعوبه؟ 

 

قد تكون الإجابات عن كل تلك الأسئلة صحيحة أو غير ذلك، لكننا بالنتيجة فشلنا ونواصل الفشل في تعاوننا للعيش معاً، ولبناء وطن يسكننا ونسكن فيه.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ايران 3/26/2026 2:49:00 PM
ألمح ترامب إلى تلقي "هدية كبيرة" من إيران دون الكشف عن تفاصيلها، مكتفياً بالقول إنّها ترتبط بالنفط والغاز ومضيق هرمز.
جزيرة متروكة لمصيرها قد تقدّم طوق نجاة لإيران.
لبنان 3/25/2026 10:18:00 PM
مخابرات الجيش اللبناني تطوّق مبنى في أنطلياس بعد معلومات عن وجود مسؤول إيراني… وترحيله من المنطقة